يعقد مجلسا للنظر في ذلك ؛ فلما حضر القضاة والفقهاء بسط لسانه بالإساءة على البرهان / فقام من فوره وعزل نفسه ، ونزل بظاهر البلد ، وأخذ يتجهّز إلى القدس ، فبعث إليه الأمير برقوق يضرع إليه فلم يجب ، وألح عليه بأكابر الأمراء حتى حضر إليه فترضّاه وأفاض عليه تشريفا « 1 » يليق به ، وأمر بابن نهار فضرب وشهّر بالبلد ، وهو ينادى عليه : « هذا جزاء من يسيء على قضاة القضاة » ، واستمر البرهان ، وقد ثقل على الأمير برقوق مكانه لكثرة ما يبادر لعزل نفسه حتى حلّفه أنه لا يعزل نفسه إلا بمراجعته ، وأخذ برقوق في أسباب جلوسه على تخت الملك ، وخاف من معارضة البرهان وإبائه من خلع ابن الأشرف ، ففطن البدر ابن أبي البقاء لشيء من ذلك ، فسعى في القضاء بمال ، وصادف سعيه تبرّم البرهان ، فصرفه برقوق يوم الخميس آخر صفر سنة أربع وثمانين وسبعمائة ، وولّى البدر محمد بن أبي البقاء ، فتجهّز البرهان وسار يريد بيت المقدس ، فباشر الخطابة على عادته ، وذكر بعض الأمراء يوما لبرقوق بعد ما تسلطن وتلقب بالملك الظاهر « 2 » أمر ابن جماعة وقال : « يا مولانا السلطان يكون ابن أبي البقاء قاضي المسلمين وابن جماعة معزولا ، واللّه حيف » فقال السلطان :
« صدقت ، لكنّ ابن جماعة لا يوافقني ولا يوافقك ولا يوافق أحدا على
هامش
( 1 ) التشريف : شارة توضع على الخلعة من السلطان تعطى لكبار الموظفين والأمراء إشعارا بتوليتهم الوظائف الكبرى كالوزارة والنيابة . وتشريف الوزارة : نوع من الدانتيل التخريمية توضع فوق الخلعة إشارة إلى الرتبة ( دوزي : ذ . م . ع ) .
( 2 ) كان ذلك سنة 784 ه قال ابن قاضي شهبة ص 3 / 86 : « في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان خلع الملك الصالح . . . . وبويع للأمير برقوق ، وأشار الشيخ سراج الدين البلقيني أن يلقب بالملك الظاهر وقال :
إن هذا وقت الظهر ، والظهر من الظهيرة والظهور ، وقد ظهر هذا الأمر بعد أن كان مختفيا فلقب بالملك الظاهر ، وكني بأبي سعيد : وهو الخامس والعشرون من ملوك الترك ممن ملك الديار المصرية ، والثالث والعشرون ممن ملك الديار المصرية والبلاد الشامية ، والثامن ممن ملك مصر ممن مسه الرق » .