سنة تسع وسبعين وله ست سنين وثلاثة عشر يوما بالبدر محمد بن أبي البقاء . فسار إلى القدس ، وباشر الخطابة على عادته إلى أن كثرت الشناعات على ابن أبي البقاء ، فاتفق الأميران بركة « 1 » وبرقوق « 2 » على إحضار البرهان من القدس ، فأنفذا إليه وأحضراه ، فكان لدخوله مشهد عظيم ، وقاد الأمراء بغلته آخذين بلجامها وهم مشاة ، وبين يديه من الخلق ما لا / يحصيهم إلا الذي خلقهم سبحانه وتعالى . فنزل بصهريج منجك تحت القلعة ، وكان ذلك يوم الأربعاء ، ثم استدعي من الغد يوم الخميس ثالث عشرين شهر ربيع الأول سنة إحدى وثمانين ، فخلع عليه ونزل ومعه عظماء الدولة فكان يوما مشهودا فقال وهو بتشريف الولاية : « كل من فارقناه على شيء فهو عليه » ، يشير بحسن تأتّ إلى عزل من استجدّه ابن أبي البقاء بعده ، وعظمت في هذه الولاية منزلته ، وقويت مهابته ، واشتد على أهل الدولة ، وعاملهم بمر الحق ، فلم يجدوا بدا من الانقياد إليه ، بحيث إنه كان يومئذ من أعظم الأمراء آقبغا الكوكائي يلي رتبة حاجب الحجاب « 3 » ، وهو منصب يلي رتبة نيابة السلطنة « 4 » ، فأقطع بلدا كانت من جملة ما حبس ووقف ، فبعث إليه البرهان موقّعين « 5 » يعرفانه أن البلد وقف
هامش
( 1 ) هو الأمير الكبير بركة ، زين الدين الجوباني ، أمير مجلس ، رئيس النوبة ، قتل بالإسكندرية سنة 782 ه ( ابن قاضي شهبة : 3 / 42 ) .
( 2 ) تقدم التعريف به ص 54 .
( 3 ) الحجوبية في زمن المماليك موضوعها أن صاحبها الحاجب ينصف بين الأمراء والجند تارة بنفسه وتارة بمراجعة النائب إن كان ، وعرض الجند وما ناسب ذلك ، والذي جرت به العادة خمسة حجاب : اثنان من مقدمي الألوف وهما حاجب الحجاب ونائبه ، وحاجب الحجاب هو مستلم الحجوبية الكبرى والمشار إليه من الباب الشريف والقائم مقام النائب في كثير من الأمور . . . ( صبح الأعشى : 4 / 19 ) .
( 4 ) نيابة السلطنة بدمشق : من أجل النيابات في المملكة الشامية وأرفعها رتبة . ونائبها يضاهي النائب الكافل بالحضرة السلطانية في الرتبة والألقاب والمكاتبة . والنائب بدمشق يقوم مقام السلطان في أكثر الأمور المتعلقة به ( صبح الأعشى 4 / 184 ) .
( 5 ) التوقيع : وظيفة يقوم أصحابها بكتابة المكاتبات والولايات في ديوان الإنشاء السلطاني ، والموقع من يقوم بذلك ؛ وهناك موقع الحكم يقوم بكتابة أحكام القضاء ، وموقع الدرج ، وموقع الدست . .
( صبح الأعشى 5 / 464 ) .