مصلحة ، فإن سكتنا تعبنا ، وإن عزلناه فاه علينا من النّاس الصياح بسببه » .
فقال : « يا مولانا السّلطان ، واللّه ، إيش لي غرض في هذا الكلام ؟ إنما قصدي جمال مملكة السلطان » . فأسرّها السلطان في نفسه ، وبعد قليل مات ولي الدين عبد اللّه بن أبي البقاء « 1 » قاضي دمشق ، فكتب السلطان إلى البرهان بولاية قضاء دمشق ، فامتنع ، وتعلّل بشيخوخته وعجزه ، فتخيّل الظّاهر أنّه لا يرى صحّة الولاية عنه ، وغضب ، فبعث بعض أعين ابن جماعة إليه بذلك ، ويحذّره من الامتناع ، ويخوّفه عاقبة ذلك ، فبعث إليه السلطان يعزم عليه إلا قبل ، فأجاب على كره منه ، وتوجّه إلى دمشق ، وأحوالها في غاية الخلل ، وليس بمودع الحكم للأيتام « 2 » مال البتّة ، فباشر على عادته إلى أن مات بها يوم الجمعة ثامن عشر شعبان سنة تسعين وسبعمائة ، وترك بالمودع ما ينيف على ألفي ألف درهم فضّة ثمنها فوق المائة ألف مثقال من الذهب .
رحمه اللّه ، فلقد كان إماما عالما بالفقه والحديث والتفسير وأخبار الناس والغريب ، خطيبا بليغا ، حسن الصوت في القراءة بالمحراب ، مهابا شديدا على الملوك والأكابر ، عفيفا عن كلّ ما يشين ، تاركا للأغراض الدّنيوية ، جليلا مليح / الوجه ، جميل المحيا ، زائد الوقار ، بهيج الزّي ، كثير الإفضال ، عالي الهمة ، ملوكي النفس ، وهّابا ، مفضالا ، ماجدا ، حشما ، فخورا ، عديم النظير ، عزوفا عن الضيم ، مترفعا على العظماء ، متواضعا مع الفقراء ، صارما لا يراجع في مجلسه ولا يختلف عليه .
هامش
( 1 ) هو عبد اللّه بن محمد بن عبد البر بن يحيى ، ولي الدين ، أبو ذر الأنصاري ، السبكي ، الشهير بابن أبي البقاء الشافعي ، قاضي القضاة ، وقاضي الشافعية بدمشق ، ومدرس ببعض مدارسها . توفي بدمشق سنة 785 ه ( ابن قاضي شهبة : 3 / 122 ) .
( 2 ) مودع الحكم : صندوق يوضع تحت نظر القاضي تحفظ فيه أموال الأيتام أو الغائبين ( دوزي ) .