فأخذ فتح اللّه كاتب السّر وجمهور الأمراء في تقوية عزم السّلطان على التّوجّه إلى الشام وكان ذلك هو الرّأي ، وأخذ جمال الدين في تخذيله عن هذا وعوده إلى مصر ليتمّ له ما دبّره على السّلطان ، فاتّفق ميل السّلطان إلى ما أشار به فتح اللّه والأمراء وأصبح سائرا إلى الشام وأخذ يعلم فتح اللّه بأنه محتاج إلى المال وأن جمال الدين ذكر له أنه لم يحضر معه في هذه السّفرة مالا وأبدى بعض التّغيير على جمال الدين بسبب منعه المال عنه مع حاجته إليه في هذه الحركة ، وندبه للفحص عن ذلك فقال له : إنه قد رافق جمال الدين في هذه السّفرة تاج الدين عبد الرّزاق ابن الهيصم كاتب المماليك وهو ربما يعرف شيئا من ذلك فإن أخاه مجد الدين عبد الغني هو مستوفي الدّيوان المفرد فقال له السّلطان : سله عن ذلك ، فاستدعى بتاج الدين ابن الهيصم وأخذ معه في شيء من هذا ، فذكر أن جمال الدين ليلة بيسان كان مما معه ثلاثين ألف دينار دفنها خوفا أن تنهب ، فأخذ ابن الهيصم ودخل به على السّلطان حتى أعلمه بذلك فتنكّر لجمال الدين وأسرّها في نفسه .
وكان ابن الهيصم وتقي الدين عبد الوهاب بن أبي شاكر ناظر الدّيوان المفرد ينزلان جميعا مع الأمير جمال الدين . ويحضر عندهما عبد الرحمن الصّيرفي فأسرّ إليهما ما كان من صرّ الأمير جمال الدين الذّهب وإرساله إلى الأمراء ، فاغتنم ابن الهيصم ذلك وبادر بذكر ذلك للسّلطان وما زال بعبد الرحمن حتى أحضره مجلس السّلطان ليلا وعاقره الشّراب وباح له بسرّه وحدّثه الخبر بنصّه ، فاشتدّ حنق السّلطان على جمال الدين وهمّ بمسكه ثم خشي أن يفرّ ابنه وابن أخته من القاهرة فيذهب المال فطوى كشحه على الدّاء .
واتّفق مع ذلك أن محي الدين أحمد المدني كاتب سرّ دمشق لقي ابن هيازع عند باب الفراديس فأعلمه أن أصحابه وجدوا عند مدينة زرع ساعيا معه كتب ، فقبضوا عليه وأخذوا منه الكتب وبعثوا بها إليه وأخرجها له ، وكان محيي الدين هذا قد عزل من كتابة السّر بدمشق منذ
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 568
مساهمون: المقريزي
ص٥٦٨