منها غاية ما يتمنّاه ، حتى إذا دنا حمامه وانقضت لياليه وأيامه لم يغن عنه سلطانه ولا نفعه ماله ولا دافعت عنه أعوانه ؛ وذلك أنه لما حدث بالناصر فرج في توجّهه إلى دمشق ليلة بيسان ما حدث من فرار الأمراء إلى الأمير شيخ نائب الشام كان هو أعظم الأسباب في ذلك . وسببه أن آقبغا دوادار يشبك استقرّ من جملة دوادارية السّلطان بعد موت يشبك ، فلمّا انقضت الخدمة السّلطانية على بيسان أسرّ آقبغا هذا إلى كاتب السّرّ فتح اللّه أنّ الأمير حلّان والأمير إينال المنقار والأمير سودون بقجة اتّفقوا مع جماعة على أن يركبوا هذه الليلة على السّلطان ، فلم يجد فتح اللّه بدّا من أخذ آقبغا وعوده إلى السّلطان حتى أخبره بذلك مشافهة منه إليه ، فاستدعى في الحال بالأمير جمال الدين وأعلمه الخبر لثقته « 1 » به .
فتقرّر الحال بين السّلطان وكاتب السّر وجمال الدين على أن السّلطان يستدعي بعد العصر بعلّان وإينال وسودون بقجة إليه ويعوّقهم عنده ، وأن جمال الدين يركب بنفسه وقت الغروب ويعمل ما يراه في من عساه يتحرّك للفتنة ، فما هو إلا أن خرج جمال الدين من مجلس السّلطان واستقرّ بمخيّمه استدعى صيرفيّه عبد الرحمن وأمره فصر للأمير شيخ خمسة آلاف دينار ، وللأمير تمراز وكان قد سافر في الخدمة السّلطانية ثلاثة آلاف بدينار ، ولكلّ من إينال وعلّان وسودون بقجة ألفي دينار ، وبعث بذلك إليهم ، وأن يحملوا إلى الأمير شيخ الخمسة آلاف دينار ، وأعلمهم بما اتّفق في مجلس السّلطان .
فركب الأمراء الأربعة ومن وافقهم بعد غروب الشمس ومضوا فارّين إلى جهة الأمير شيخ ، فاختبط العسكر واضطرب السّلطان ، واجتمع عليه الأمراء وطلب كاتب السّرّ وجمال الدين وهما ثقتاه « 2 » ولا علم له ولا لأحد من الأمراء بما كان من جمال الدين .
هامش
( 1 ) في الأصل : « ليقيه » ، وهو تصحيف .
( 2 ) في الأصل : « نفياه » ، وهو تصحيف .