وأمر أن لا يؤخذ من الفرنج من عشور بضائعهم ومن التّجّار عن مكوس تجاراتهم بدل ما كان يأخذ الوزراء ونظّار الخاصّ قبله من المال إلا أصناف البضائع ، فكانت تؤخذ من أربابها بأقلّ القيم ثم تطرح على الناس بأكثر الأثمان .
وكان يأمر أن يكون صرف كلّ دينار بمائة درهم فلوسا فيجيء خراج البلاد وأثمان ما يطرحه من الغلال وأصناف البضائع ذهبا بهذا السّعر إلى أن يستوفي غرضه ثم يأمر أن يكون صرف كلّ دينار فيما يصرفه من النّفقات السّلطانية على المماليك وغيرهم بمائة وخمسين درهما ، فعل ذلك مرارا .
وكان يعجبه استكثار الرّسل والأعوان وتسليطهم على المطالبين فينالون بذلك من أموال الرّعية غاية أملهم وأقصى مرادهم ، فتجيء البضائع التي يطرحها على الناس بأضعاف قيمها مضاعفة .
وسنّ في ابتداء أمره وانتهائه سننا سيّئة أوجبت خراب الإقليم وتلاشي أمره وفاقة أهله وهلاكهم ، منها أنه كان في بداية حاله يتزلّف إلى الأمراء بزيادة عبرة إقطاعاتهم ، فلمّا باشر الأمور السّلطانية تعدّى الطّور في زيادة قطيعة الأطيان حتى بلغ الفدّان في أيامه عشرة أمثال ما كان قبل ذلك . لا جرم أن الغلاء تحكّم في إقليم مصر حتى كاد أن يكون طبيعيا يمتنع ارتفاعه مع وجود الدّولة الحاضرة .
ومنها أنه جبى من النّواحي عن عمل الجسور المال فأنفق منه في عملها بعضه وحمل إليه باقيه ، وكانت العادة أن يخرج أهل كلّ ناحية أبقارا ورجالا تعمل في الجسور بضرائب وقوانين لا يتعدّى حكمها لتحكم أمر الإقليم في ريّ النّيل للأراضي فتلاشت جسور البلاد بما أحدثه من جباية الأموال ، وصار النّيل ولو زاد ما عسى أن يزيد لا تبلغ به المنافع التي كانت قبل ذلك ، فإذا قصرت زيادته شرق أكثر الأراضي لفساد الجسور والتّرع .
ومنها أنه زاد في ضرائب المكوس التي تؤخذ من التّجّار وزراعات
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 565
مساهمون: المقريزي
ص٥٦٥