وعرف بقضاء حوائج الناس ، فقصده الأكابر وكثر تردادهم إلى بابه ، واجتمع له أستادراية نحو عشرين أميرا ، وصار ملجأ للقصّاد وقام بأعباء ثقيلة من مهمّات الأمور التي لا ينهض بها غيره إلى أن فرّ الأمير يشبك والأمير سعد الدين إبراهيم بن غراب بمن معهما إلى الشام في جمادى سنة سبع وثماني مائة ، وكان جمال الدين أخصّ أصحاب ابن غراب فغضب عليه ، وألزم بمباشرة الوزارة فامتنع عدة أيام من قبول ذلك فخلع عليه واستقر أستادارا عوضا عن ابن غراب في رابع شهر رجب منها ، فشكرت مباشرته وأقيم الأمير يلبغا السّالمي مشيرا .
فكان جمال الدين يتردّد هو والوزير الصاحب تاج الدين ابن البقري وغيرهما من أهل الدّولة إليه ، فغصّ جمال الدين بمكانه ومالأ ابن البقري عليه حتى قبض على السّالمي ونفي ، فقوي أمر جمال الدين وازداد عظمة بموت سعد الدين ابن غراب فإنه كان تنكّر له بعد عوده من الشام واستقراره في كتابة السّرّ عوضا عن فتح اللّه . ثم أضيف لجمال الدين نظر الخاصّ والوزارة في نصف شعبان سنة تسع وثماني مائة عوضا عن فخر الدين ماجد بن غراب ، وجعل إليه مع ذلك كشف الوجه البحري .
فلمّا فرّ الأمير يشبك بدمشق من السّلطان في ثالث شهر ربيع الأول سنة عشر وثماني مائة خلا الجوّ لجمال الدين وأصبح عزيز مصر وصاحب القلم السّلطاني بمفرده ، وانقادت أمور الدّولة بأزمّتها إليه ، وكانت عامة الأمور تصدر برأيه ، وكافة أهل الدّولة تتردّد إلى بابه ، وسائر الناس تهرع في حوائجها إليه ، حتى أن دوادار السّلطان قجامق وكاتب السّرّ فتح اللّه وناظر الجيش بدر الدين حسن بن نصر اللّه يركب كلّ منهم بموكبه عند الانصراف من الخدمة السّلطانية إلى داره دائما ، ويعرض كاتب السّرّ والدّوادار عليه جميع ما يرد إلى ديوان الإنشاء ويشاورانه في إمضاء ما يصدر من إخوته النّواب ومهمّات السّلطنة ، ويعرض عليه ناظر الجيش ما يتعلّق بإقطاعات أمراء الممالك وأجنادها ويستأذنه في إمضاء ما رسم به
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 563
مساهمون: المقريزي
ص٥٦٣