تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
الأزهر فسمع كلاما من جدار البيت ولم ير المتكلّم ، وإذا هو يقول له : اتق اللّه ، وعاشر زوجتك بالمعروف ، فحدّث أصحابه وجيرانه بما سمع فجاءوا معه إلى منزله فسمعوا الكلام من غير رؤية شخص فشهروا ذلك بالقاهرة وتسامع الناس به فقصدوه من كل جهة وافتتنوا به ، فبلغ ذلك الجمال محمود فركب إلى البيت وسمع الكلام من الحائط فعلم أنه صناعة ، فبادر ووكّل بالرّجل من يحفظه ورسم على شخص آخر كان يسكن إصطبلا تحت البيت وأحضر غلام السّاكن في الإصطبل وضربه ضربا كثيرا ليعترف فلم يجب بشيء ، فأخذ يخرّب الجدار فقال له المتكلّم : اضرب ما ينزل عليّ شيء ولا أبالي ، فرجع إلى منزله متعجّبا مما وقع . ثم بدا له أن يعود لينظر ذلك نظرا ثانيا وجلس تحت الجدار ومعه جماعة يقرءون القرآن وقد مال إلى اعتقاده فقال لصاحب المنزل : قل لهذا المتكلّم القاضي جمال الدين يسلّم عليك ، فقال : يا سيّدي القاضي يسلّم عليك ، فقال : وعليه السّلام ورحمة اللّه وبركاته ، فقال الجمال لصاحب البيت : قل له إلى متى هذا الفساد ، فقال : إلى أن يريد اللّه تعالى ، فقال المحتسب : قل له هذا الذي تفعله فتنة للناس وليس هذا بجيّد ، فقال من الجدار : ما بقي بعد هذا كلام . وصار يحدّثونه فلا يجيب ، وكان ذلك يوم الاثنين ثاني عشر رجب ، فقال الأديب شهاب الدين أحمد ابن العطّار في ذلك :
يا ناطقا من جدار وهو ليس يرى * اظهر وإلا فهذا الفعل فتّان وما سمعنا وللحيطان ألسنة * وإنما قيل للحيطان آذان
فانصرف الجمال المحتسب واشتدّت الفتنة به ولم يكد أحد يتأخّر عن الحضور إليه ولهج الناس بذكره في شعرهم وكلامهم حتى صارت العامة والصّبيان تقول : ربّ سلّم ، الحائط يتكلّم . وحمل الناس إلى ذلك البيت أموالا وأنواعا من الطيب وغيره .