فلم يزل إلى أن صرف بالقاضي تاج الدين المليجي في سابع شعبان سنة ثلاث وثمانين فارتفع سعر القمح وقلّت الأخباز بحوانيت القاهرة ، وازدحم الناس على الأفران لشراء الخبز ، فوقف غوغاء العامة وسألوا إعادة القاضي جمال الدّين العجمي ، فأعيد إلى وظيفة الحسبة بالقاهرة والوجه البحري في يوم السّبت آخر يوم من ذي القعدة ، فأصبح الناس وقد امتلأت الأسواق بالخبز وتيسّر شراؤه ، فقال الأديب شهاب الدّين أحمد ابن العطّار :
أتيت والقوت معدوم ومحتجب * فصار يا ذا السّعيد الكعب موجودا
يكفيك أن لم يخب ظنّ الأنام بكم * أدامك اللّه ممدوحا ومحمودا
ولم يزل في وظيفة الحسبة إلى أن سعى عليه القاضي نجم الدّين الطّنبذي وكيل بيت المال بنحو ألفي مثقال من الذّهب ، فصرف عنها بالنّجم المذكور في يوم الخميس خامس شهر رمضان سنة تسع وثمانين وعوّض عن الحسبة قضاء العسكر بعد موت القاضي شمس الدّين محمد القرمي ، فلم يزل إلى يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان تزوّج بابنة المعلّم ناصر الدّين محمد بن أحمد الطّولوني المهندس وكانت أختها تحت السّلطان الملك الظّاهر برقوق ، فعظم بذلك قدره ، ثم ولّاه الملك الظّاهر وظيفة نظر الجيوش عوضا عن الصّاحب الوزير موفّق الدّين أبي الفرج في يوم الثلاثاء سابع عشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين واستقرّ مكانه في قضاء العسكر شرف الدّين عثمان الأشقر .
فلما زالت دولة الملك الظّاهر بقدوم الأمير يلبغا النّاصري في خامس جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين واستقرّ به في نظر الجيوش .
فلمّا ثار الأمير منطاش على الأمير يلبغا النّاصري وقام بأمر الدّولة أقرّه على حاله وسافر معه إلى البلاد الشّامية لحرب برقوق عند خروجه من سجن الكرك وتوجّهه إلى دمشق ، فلمّا التقى منطاش ببرقوق وانهزم منه إلى دمشق كان الجمال محمود ممن صار معه هو والبدر محمد بن فضل اللّه كاتب السّرّ فلم يزل بها إلى أن قدم مع ابن فضل اللّه إلى القاهرة في