عليّ بظاهر فاس ليتمّ له التّدبير بنزولهم ، فبادر إلى ذلك وكتب يستدعيهم ، فأتوا ونزلوا حيث عيّن لهم ، فضاق الأمر واشتدّ الحال على أهل فاس لطول الحصار ومنع الميرة عنهم ، فبلغ الرأس الواحد من الغنم إلى خمسة عشر مثقالا من الذّهب وأبيعت الدّجاجة بمثقال ذهب والبيضة بثمن مثقال والصّحفة القمح وهي نحو الإردب المصري بعشرة مثاقيل ، وأمر أبو سعيد النّاس بإخراج ما عندهم من أموال من قتل أو أسر أو نافق ، فحملت إليه أموال عظيمة جدا .
وعندما علم الوزير ابن علال بنزول عرب المعقل على فاس أغرى سلطانه السّعيد بقتالهم ، فبعث لحربهم أعيان من معه في خامس صفر سنة أربع عشرة ، فامتدت المحاربة معهم من أول النّهار إلى آخره ، فلما دخل اللّيل التحق بالعرب عدّة من وجوه أصحاب السّعيد ، وتمادوا في اللّحاق بهم إلى نحو ثلث اللّيل ، فقال عند ذلك الوزير ابن علال للسعيد : يا مولاي أنت مخدوع ومأخوذ لا محالة وعدّ له من خامر عليه حتى قال له :
لم يبق معك غيري ومتى أقمنا إلى الصّباح خرج أهل فاس الجديد وأتوا هم والعرب فأخذونا قبضا باليد ، والرأي أن تنجو بنفسك ليلا إلى تازى وألحقك بالأهل والمال والأثقال ، فاستطاره الخوف وظن أنّ هذا من ابن علال نصحا ، ولم يفطن أنّ السمّ في الدّسم ، وقام من فوره وسار ووقف ابن علّال واستدعى الأتباع وأمر بحمل حريم السّعيد وأولاده على البغال وشدّ الأسلحة والخزائن وجميع الأثقال على ظهور الجمال ، فما تهيأ له أمره حتى طلعت الشّمس وهو واقف وقد أوقف جميع من في معسكرهم من الوجوه والأعيان ثم سار الجميع حتى دخل فاس الجديد بسائر ما حواه معسكر السّعيد من حريمه وأولاده وأمواله وأثقاله وخيوله وأسلحته ورجاله وفي ظنه أنّ السّلطان أبا سعيد محتاج إلى كفايته ومعوّل من دون كل أحد على حسن إيالته لا سيما وقد أقفر جوّ الدّولة من الوزراء والوجوه والأعيان فينفرد بالسّلطان ويخطب للوزارة والحجابة ولم يعلم بأنّ اللّبابي قد ملك التّصرف في الدّولة بأسرها .
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 305
مساهمون: المقريزي
ص٣٠٥