كان أسود حالك السّواد ، فزحف في يوم الأحد سابعه ونزل على كدية العرائس فإذا الأمر في حال فاس الجديد بخلاف ما حسبه ، فأمر بالنداء في فاس البالي بالأمان والاطمئنان وقاتل من على أسوار فاس الجديد ، فرأى منهم مالا قبل له به .
وأقام على حصارهم مدّة شهرين يقاتلهم كلّ يوم فيموت من الفريقين خلائق ، وفي أثناء ذلك جهّز إليه أبو الحجاج ابن الأحمر ابنه أبا عمرو ابن السّعيد فنزل سبتة واستدعى المسعود محمد ابن السّعيد من غرناطة وكتب الوزير محمد بن يحيى بن علال من جبل الفتح إلى السّعيد يبذل له الطّاعة ويترامى على القدوم إليه ويعده من نفسه بالقيام بنصرته وكان معروفا بالدّهاء والحزم ، فأعجب انتمائه إليه وكتب بسرعة قدومه عليه .
فسار عند ذلك بسلطانه محمد ابن الأحمر وقد غدر به إلى طنجة ، فحمله متولّيها إلى السّلطان أبي الحجاج وحمل معه من في خدمته من بني مرين وقوّاد الأندلس وقد كتب إليه السّعيد يأمره بذلك ، فلما قدموا على أبي الحجاج وهو بمالقة في المحرّم أمر بتغريق محمد ابن الأحمر وولده يوسف ، فغرّقا في بحر الملح وقتل الباقين بأنواع العقوبات .
ثم قدم الوزير ابن علال على السّعيد وفي ظنه أن يكون هو القائم بتدبير جميع أموره ، فإذا بطانته وخاصته وأهل الحلّ والعقد وأصحاب التّدبير عنده إنّما هم أهل الأندلس فقط ، ومن عداهم من سائر النّاس إنّما هم دونهم ، فأكرمه السّعيد وأقامه وزيرا ثانيا وذلك أنّ الوزارة والحجابة إنّما هي لأبي حسّون ، فشقّ ذلك على ابن علال وندم على قدومه وأخذ في التّدبير على السّعيد ، وكتب إلى السّلطان أبي سعيد يعتذر عما فعل بمحمد ابن الأحمر ويعد بأنّه يهزم عنه السّعيد ويسلّمه إليه بما معه من المال والرجال ، فاقتضى الحال جوابه بالعفو عنه وقبول عذره وشكره على ما وعد به وبسط آماله وتنشيطه لإمضاء ما عزم عليه .
فأخذ في إعمال الحيلة على السّعيد بأن كتب إلى السّلطان يشير عليه بإنزال عرب المعقل أولاد حسن الذين قتل السّعيد شيخهم يوسف بن
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 304
مساهمون: المقريزي
ص٣٠٤