تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
فكانت وقعة شنعاء قتل فيها عالم عظيم وسبي الحريم والأطفال وأخذت الأموال بأسرها وامتلأت الأيدي بها حتى بيعت البكر العذراء بدينارين وبيعت كلّ مائة رأس من الغنم بعشرة دراهم وكلّ مائة رأس من البقر بدينار وكلّ مائة بعير بدينار ، وأقام القتل والنّهب والسّبي ثلاثة أيام ونجا الأمراء إلى فاس في عدد يسير ممن بقي ، فعظم عسكر السّعيد وكثرت أتباعه ، فسار ونزل بازرو وقد وقع الغلاء بعسكره لأنّ عساكره انتشرت بأعمال المغرب وخرّبتها بعد ما نهبتها وأحرقت ما لم تطق حمله من القمح والشّعير وغيره حتى يصير رمادا ، فمضى من معه بما حازوه من النّهب لأهاليهم وهو شيء لا يدخل تحت حصر . ثم سار ونزل مكناسة الزّيتون وأخذ من أهلها مالا جمّا ومضى إلى فاس فنزل عليها يوم السبت خامس عشر شعبان سنة أربع عشرة وقد حصّن السّلطان أبو سعيد أسوارها وبنى برجا عظيما خارج باب السّبع سماه البرج الجديد ورتّب فيه المقاتلة ونصب به مدافع عظيمة وأمّر عليه أخاه الأمير محمد المنتصر ، فرتّب السّعيد أصحابه وبينا هو في ذلك إذ سقط عليه من البرج الجديد حجر المدفع فأخطأه إلى رجل يمشي بين يديه نثر دماغه ، وأصاب الشيخ عيسى بن عمران العبدوادي سهم في فمه خرج من قفاه فمات ليومه وكان أجلّ من مع السّعيد من الشجعان ، وكثر ترامي الفريقين من غير أن يبرز أحد من فاس الجديد إليهم . فتسحّب الناس عن السّعيد إلى فاس البالي لزيارة أهليهم وأولادهم ، وقد طالت غيبتهم عنهم ، وفي ظن السّعيد وأصحابه أنّ السّلطان قد ضعف عنهم إذ لم يخرج أحدا لقتالهم ، وإنّما كان ذلك منه مكيدة حتى إذا كان وقت العصر أخرج السّلطان عسكره كراديس كراديس وبرز بنفسه في حماته وثقاته ووقف بين السّورين من ناحية باب السّبع ، فاقتتلوا ليلتهم قتالا لم يروا مثله والسّعيد في قلّة من أصحابه لغيبتهم عند أولادهم فأبلى فيهم بلاءا عظيما لكثرة حملاته بنفسه حتى قرب الصّباح ، فهلك فيها خلائق لا يعلم عدّتها إلا اللّه وعاد أهل فاس الجديد إليها