السّلطان وأمدّ ابن الأحمر بخيول وأعادهم إليه ، واتّفق وصول مركبي السّلطان أبي فارس صاحب تونس فسرّ بهما أبو الحجّاج سرورا كثيرا ، ودسّ أبو فارس إليه مع ذلك يخيّله من السّلطان أبي سعيد وأنه قد عقد الصّلح مع الطّاغية صاحب قشتالة ، ولم يدخل بلاد الأندلس في الصّلح لأنه إنما غرضه عمل مصالحة وتمهيد بلاد الأندلس وقواعد بلاده فقط ، ولو أنك جهّزت إليّ أحدا من أبناء ملوك بني مرين الذين في سجنك لأمددته بالمال والرّجال حتى تملك فاس ثم أكون أنا وهو معك وعونا لك على الطّاغية وأزيح جميع عللكم وأحمل إليهم كلّ ما تحتاجونه من الأزواد وغيرها ، وتعتذر عن إخراج أحد الأبناء بأنّ أبا سعيد قد أفاض على أهل الأندلس العطاء وأخبره بما كان من رسالته إليه على يد الفقيه ابن عاصم ، فكتب إليه السّلطان أبو فارس يرغّبه في إخراج أحد الأبناء ويغريه بالسّلطان أبي سعيد وأنه ليس له غرض في عمل مصالح أهل الأندلس ويحسّن له أن يختبره بأن يطلب منه أن ينجده على العدوّ بفحول فرسان دولته ، وسمّى له عدة من أبطالهم وشجعانهم ، فإن لم يبعث إليك فاجعل امتناعه سببا لإخراجك أحد الأبناء .
وإنما حمل السّلطان أبا فارس على كتابته بهذا أنّ عادة ملوك فاس في القديم إذا كان الجهاد عامّا أن يجهّزوا من فاس جميع من يشار إليه في الدّولة إلى الأندلس ، فلمّا زال حكم بني مرين عن الأندلس وأتقن السّلطان أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل بن نصر صاحب غرناطة الصّلح مع الطاغية بترو صاحب قشتالة وفّى بما عاهد عليه حتى مات ، وبقي الصّلح على ما هو عليه إلى أن ملك الطاغية جوان بن أندريك بن جوان قتيل الفرس وقام بالأمر عنه عمّه ألفنت وهو فرناند بن جوان لصغره ، وكان عارفا بالحروب والمكائد ، بصيرا بها ، شجاعا ، دربا ، فأخذ في معاندة صاحب غرناطة ، فأراد أبو فارس التّوصّل إلى مكايدة أبي سعيد بطلب الذين سمّاهم أبو فارس ، فأجابه بالامتناع من إرسالهم إليه ، فبعث يعلم أبا فارس بذلك فطار كلّ مطار وعلم أن كيده قد نجع ، فجهّز عند
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 298
مساهمون: المقريزي
ص٢٩٨