يمكّن سوى خدمه فقط ، فلمّا قوي أمر الناصري استدعى الظاهر المتوكّل إلى تربة الرديني من القلعة في يوم الخميس خامس شهر ربيع الأول بعد ما أحضر شيخ الإسلام البلقيني فعند ما أقبل قام وتلقّاه وأجلسه إلى جانبه واعتذر إليه اعتذارا كثيرا وتحادث معه ساعة ، وأمر به فمضى إلى مكانه الذي كان فيه أولا فنقل إليه ، وبعث له بعشرة آلاف درهم فضّة وثياب صوف وحرير وفرو سمّور « 1 » وغيره بألف دينار ، ثم بعث إليه في يوم الأربعاء أول جمادى الأولى بالأمير سودون الطّرنطاي رأس نوبة والأمير قرقماس الطّشتمري الدّوادار فأحضراه إلى القصر ، فلمّا شاهده قام إليه وتلقّاه وخلع عليه وأركبه حجرة « 2 » شهباء بسرج وكنفوش « 3 » وسلسلة من ذهب ، فخرج من باب النّحاس راكبا ونزل من القلعة إلى داره بجوار السّيّدة ، وكان يوما مشهودا ، وركب معه الأمراء والقضاة ونصبت حوله الأعلام السّود وأقبل الناس لرؤيته من كل جانب ، فمرّ يوم عظيم إلى الغاية ، وأقام بداره على عادته فزالت أيام الظّاهر عقيب ذلك في خامس جمادى الآخرة ، وقدم الأمير يلبغا الناصري فقال للخليفة بمحضر من الأمراء والعساكر : يا مولانا أمير المؤمنين ما ضربت بسيفي هذا إلا في نصرتك ، وبالغ في تعظيمه وتبجيله ، وأقيم الملك الصالح حاجّي بن شعبان في المملكة ، ولقّب بالملك المنصور ، فخرج معه إلى محاربة الظاهر برقوق بالشام ، فكان الغلب لبرقوق وعاد بالخليفة إلى القاهرة فجدّد له الولاية وما زال وافر الحرمة ، جليل المقدار حتى مات الملك الظاهر وأقيم من بعده الملك الناصر ، فمات في أيامه ليلة يوم الثلاثاء ثامن عشري رجب سنة ثمان وثماني مائة ، وعمره نحو السبعين ، ومدة
هامش
( 1 ) السّمّور : حيوان ذو فرو ثمين . ( دوزي 6 / 142 ) .
( 2 ) الحجرة : أنثى الخيل ( دوزي 3 / 82 ) .
( 3 ) هكذا في الأصل ، والمشهور : كنبوش ، بالباء الموحدة ، وهو البرقع الذي تبرقع به الخيل ، وانظر معجم دوزي 9 / 148 ،