ذلك وخرج البريد بطلب خطيب القدس برهان الدّين إبراهيم ابن جماعة ليلي القضاء فقدم في خامس جمادى الآخرة وخلع عليه واستقرّ قاضي القضاة عوضا عن أبي البقاء . ثم استقرّ بعد ذلك أبو البقاء في تدريس الشافعي وتدريس المنصورية بين القصرين وخلع عليه عوضا عن البهاء ابن السّبكي بعد موته وكان منذ عزل عن القضاء وولي ابن جماعة موكلا بحاشيته وأمنائه ، ثم أمر به فأخرج في أخريات شهر رجب منفيا إلى الشّام ، فلما وصل بلبيس أعيد وقد رمي بأنّه أخذ أموالا من مودع اليتامى ورسم عليه فظهر الخلل من نجم الدّين إسحاق كاتب المودع وبراءة أبي البقاء ، وساعده جماعة من أهل الدّولة حتى أفرج عنه ورسم بخروجه إلى الشّام . فمات في أثناء ذلك الشّيخ بهاء الدّين أبو حامد أحمد ابن السّبكي بمكة ، فلما قدم الخبر بموته ولي عوضه تدريسي الشّافعي والمنصورية في ثالث عشر شوال ، فاستمرّ بيده إلى أن نقل كمال الدّين عمر بن عثمان المغربي قاضي دمشق إلى قضاء حلب ، فخلع عليه في يوم الخميس سابع عشري شعبان سنة خمس وسبعين وفوّض إليه قضاء القضاة بدمشق عوضا عن الكمال ابن المغربي ، واستقرّ قاضي القضاة برهان الدّين ابن جماعة في تدريس الشّافعي ، وتوجّه أبو البقاء من القاهرة فسار في القضاء بدمشق أجمل سيرة وأحسنها حتى مات بها في يوم الخميس ثاني عشري ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وسبع مائة عن سبعين سنة ، فدفن بسفح قاسيون قريبا من التّاج عبد الوهاب ابن السّبكي ، وقد كانا متعاديين حياتهما ولم يخلّف أبو البقاء بعده مثله ، وله من المصنفات : « شرح الحاوي » ولم يكمله ، وذكر مرّة شيخ الإسلام تقي الدّين أحمد بن تيمية فقال : ما يبغض ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى ، فالجاهل لا يدري ما يقول وصاحب الهوى يصدّه هواه عن الحقّ بعد معرفته به .
ومن شعره وقد ودّع ابنه عليّا عند سفره وهو أصغر أولاده :
ودّعته ولثمت باسم ثغره * مع خدّه وضممت عادل قدّه