وبعث به الإخنائي إليه وقد أسرّها في نفسه ، فاتّفق بعد ذلك بقليل أن ضمّهما مجلس انجرّ فيه الكلام في مسألة احتج الإخنائي فيها بأن قال :
قال مالك كذا ، فقال أبو البقاء : لو كان مالك حيّا لناظرته في هذه المسألة فقامت قيامة الإخنائي وعدّ هذا الكلام مما يخرج أبا البقاء من الإسلام وقال له : أيش أنت حتى تذكر الإمام مالكا واللّه لو كان غيرك لسفكت دمه بأن أضرب عنقه ، وافترقا على شرّ وأخذ الإخنائي وطائفة الفقهاء المالكية في التّشنيع على أبي البقاء والإغراء به ، فأعانه على ذلك أنّ أبا البقاء في ولايته أكثر من عزل القضاة وولايتهم في الأعمال فتكلّم فيه لذلك وأمسك مع هذا عن الإفضال على طلبة العلم بحيث أنّه كان لا يتجاور صرفه لأحد الأربعين درهما فكثر شاكوه ، هذا وقد كان لا يقبل شفاعات أهل الدّولة بل يردّ رسائلهم ولا يعمل ما يريدونه ، فتنكّرت قلوبهم واتّفق مع هذه الأمور أنّ السّلطان أراد أن تصير دار كتبغا ملكا له وهي مما يجري في الأوقاف الحكمية ، فكلّف أبا البقاء أن يبطل وقفها حتى يملكها وذلك مما لا يجوز في مذهبه ، فامتنع من ذلك أشدّ الامتناع والسّلطان يلحّ عليه إلى أن استدعاه إلى القصر وعتبه على امتناعه ، فمدّ أبو البقاء يده وضرب بها فخذ السّلطان وقال له : اسمع يا مولانا السّلطان إن كنت ما تعرفني فأنا أعرّفك بنفسي واللّه الذي لا إله إلا هو لو علمت أحدا لهذا المنصب في هذا العصر غيري ما وليته ثم قام مغضبا من غير سلام ، فوجد عداه السّبيل إلى المقال فيه فقالوا وأكثروا وما تركوا تشنيعا وتهجينا حتى رموه به ، وقام الإخنائي مع بعض الأمراء في صرفه عن القضاء ، فسعى في ذلك حتى أجيب إليه ، فلما كان يوم الاثنين ثامن جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وقد انقضت الخدمة السّلطانية من الإيوان المعروف بدار العدل من قلعة الجبل وخرج القضاة منه إلى الجامع بالقلعة وجلسوا فيه بعد الخدمة على العادة جاء رسول من السّلطان حتى أسرّ إلى أبي البقاء كلاما ثم التفت إلى بقية القضاة وأخبرهم عن السّلطان أنّه عزل أبا البقاء وأمره أن يلزم بيته ، فانفضّوا على
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 252
مساهمون: المقريزي
ص٢٥٢