بمكة سنة ، من أبيات لنفسه :
ما كان أحسننا والحيّ يجمعنا * ونحن من دارة التّنعيم نعتمر
لا أوحش اللّه من ذاك المقام * ترى يعود يجمعنا في حيّه العمر
وأخبرني أنّه ورد على الشّيخ محمد القرمي ببيت المقدس سنة سبع وسبعين ، فلما قال له : يا سيدي كيف حسّك ؟ قال له ما يرضيني منك هذا السّؤال ولكن سلني : وكيف حالك اليوم فأقول لك : أنا اليوم بتأييد اللّه في ضبط الحواس ومراعاة الأنفاس .
وحدّثني أنّه تدرّج في الطّي حتى صار يمكث من يوم الجمعة إلى يوم الجمعة طاويا لا يتناول غذاء ولا شرابا ويجعل أكله بعد صلاة الجمعة ثم لا يعاود حتى يصلّي الجمعة الأخرى ، وأنّه أقام كذلك سنين ، وانّه دائبا يطوي ؛ تارة خمسا وتارة ثلاثا ، وأنّه سافر إلى مكة مرة فأكل في مدة خمسة وأربعين يوما عشر أكلات وشرب عشر شربات ماء ، وكان ابتداء طيّه أنّه تعشّ مع أبويه بالقدس في أعوام بضع وسبعين طعاما قلقاس وأصبح لا تريد نفسه أكلا فلم يأكل ثلاثة أيام ، فلما رأى أنّ له قدرة على الطّي تمادى فيه حتى بلغ طيّه أسبوعا ، وزارني في نصف نهار الأربعاء حادي عشر جمادى الآخرة سنة سبع وثمان مائة ، وبات عندي ليلة الخميس حتى صلّيت به صلاة الصبح وأنا مراقبه فو اللّه ما جدّد وضوءا ولا وضع جنبه الأرض ، وإنما كان يغفى وهو محتب إغفاءة ثم ينتبه ، فتارة ينشدني :
قوموا إلى الدار من ليلى نحيّيها * نعم ونسألها عن بعض أهليها
وتارة يقول :
سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا
[ الإسراء : 108 ] .
وأخبرني أنّه قدم عليّ من سطح جامع الظّاهر وله به أربعة أيام بلياليها لم يحتج إلى تجديد وضوء ، وسألته تلك اللّيلة عن أمور في طريق اللّه فنفعني اللّه بتلك المسائل ، وأخبرني أنّه منذ سنين على هذه الحالة لا يضع جنبه الأرض ليلا ولا نهارا إلا عن غلبة مرض وأنّه لا يحتاج إلى عبور الخلاء إلا بعد مدة ، وما زلت أستروح إلى تلك اللّيلة حنينا لما