تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 495

مساهمون:

ص٤٩٥
وصيح به فقبّل الأرض ، وقام يمشي حتى قرب من السّلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون وهو جالس على تخت الملك ، فطلب الأمير طاز وسئل عن أمره ، فأخبر بخبره وأجمل وأفضل في الإخبار عنه ، فأمر بالقيد ففك ، وأخرج من بين يدي السّلطان ، وأنزل بالأشرفية من القلعة وأجريت له الرّواتب الجليلة اللائقة بالملوك على قدر تلك الهمم العليّة ، ورتّب له من يقوم بخدمته ، وصار يلازم حضور الخدمة السّلطانية ويجلس تحت الأمراء ، وألزم بحمل مال يفدي به نفسه ، فتقرر الحال على حمل أربع مائة ألف دينار مصرية ، فسأل التجار في اقتراض ذلك منهم فلم يسعفوه بذلك ، فقام الأمير طاز في الاعتناء به حتى أعفي من حمل المال ، وخلع عليه في تاسع عشرية بالإيوان وهو قائم على قدميه ويخر حتى يقبّل الأرض مرارا ، وأذن له أن يتجهز للعود إلى بلاده ، وأفرج عن وزيره وحاشيته ، وأنعم عليه بمال جزيل وحمل له الأمراء عدة تقادم كثيرة ، وركب في القاهرة ومصر وسار في ضواحيها من غير حجر عليه ، فبعث التجار وغيرهم إليه الهدايا وأقرضوه أموالا جمة . فلما تهيأ أمره برز إلى الرّيدانية ظاهر القاهرة في يوم السّبت في ثامن صفر وصحبته الأمير قشتمرشاد الدّواوين ، وخلع عليه خلعة السّفر أطلسين ، ثم استقبل بالمسير في ثالث عشرية وهو في تجمّل كثير وقد اشترى عدّة مماليك أتراك وخيولا مسوّمة ، فقدم كتاب الأمير قشتمر متسفّره ، وهو يشكو منه وأنه يريد الهروب ، فأجيب بالقبض عليه ، فأمسك في ينبع بعد ما فرّ ، فأدرك بالدّهناء ، وحمل من هناك إلى الكرك فسجن بها في ربيع الآخر ، ثم أفرج عنه . وقدم القاهرة في تاسع شعبان وخلع عليه وفسح له في التّجهيز إلى العود لبلاده من ناحية عيذاب فبعث له الأمراء تقادمهم ثاني مرّة ، وتوجه في النّيل ثم ركب البحر ، وخرج منه في سادس ذي الحجة وقد ضبطت أمّه المملكة بعد عودها من مكة ، وأقامت في المملكة الملك الصّالح وكتبت إلى التجار بعناية ابنها المجاهد وقرضه ما يحتاج إليه من المال
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 495 | المقريزي