النّاظر بيتا فلم يعطه ، فجاء شخص فمدحه بقصيدة ، فقلت له : قد حفظتها من هذه المرة ، فقال الناظر : إن كان كذلك أعطيتك بيتا . قال :
فعرضتها عليه سردا ، فأعطاني بيتا .
قال البرهان : رأيته رجلا فريد دهره ، لم تر عيناي أحفظ للفقه وأحاديث الأحكام منه . وقد حضرت دروسه مرارا ، وهو يقرئ في « مختصر مسلم » للقرطبي يقرأه عليه شخص مالكيّ ، ويحضر عنده فقهاء المذاهب الأربعة ، فيتكلم على الحديث الواحد من بكرة إلى قريب الظّهر ، وربما أذّن الظّهر ، وهو لم يفرغ من الحديث الواحد .
قال البرهان : ولم أر أحدا من العلماء الذين اجتمعت بهم بجميع البلاد إلا يعترفون له بالعلم وحفظه وكثرة استحضاره .
قال : وسمعته يقول وربما طالعت المجلد كاملا في الواحد من دون العتمة .
قال الحافظ أبو الفضل : وقرأت بخط المحدّث برهان الدين الحلبي إنّ الشّيخ ذكر له أنّ الشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل لما دخل القاهرة اجتمع به مدعاة وأنّه قال له : أيما أحفظ أنا أو أنت ؟ فقال له شيخنا : تذكر أو أذكر ؟ قال : بل اذكر . قال شيخنا : فشرعت في أول أبواب الفقه أذكر الحديث وما يناسبه من تصحيح وتضعيف إلى أن طلع الفجر وقد وصلت إلى كتاب النّكاح ، فقام وقبّل بين عينيّ ، وقال : ما رأيت بعد شيخنا أحفظ منك ، يعني ابن تيمية .
قال الشيخ برهان الدين : ذكر لي الشيخ أنه كان يحفظ من « المحرر » صفحة من وقت ابتداء فلان الأعمى صلاة العصر إلى انتهائها ، ولم يكن يطوّل في صلاته .
قال الحافظ أبو الفضل : وقد كتب له الشيخ أثير الدين أبو حيّان وسنّه إذ ذاك دون العشرين : قرأ عليّ الشيخ الفقيه العالم المتقن سراج الدين عمر البلقيني جميع « الكافية الشافية » في النحو قراءة بحث وتفهّم وتنبيه على ما أغفله النّاظم ، فكان يبادر إلى حلّ ما قرأه عليّ من مشكل
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 435
مساهمون: المقريزي
ص٤٣٥