العدد والأسلحة والذّخائر إلى غرناطة حتى لم يترك بها كبير شيء ، فسرّ ذلك العدو ورأى أنه قد سهّل له أمرها ، فثار النّاس بها على عامل ابن الأحمر ففر منهم ، وعادت إلى بني مرين ، وكانت ولاتهم تسيء السّيرة وتبالغ في ظلم الرعية إلى أن كانت فتنة السّعيد محمد ، فأقام عليها رجلا من قبله فسام النّاس سوء العذاب . ثم وليها بعد مهلك السعيد صالح بن صالح أحد رجالات بني مرين بعثه إليها السّلطان أبو سعيد فتناهى في الظّلم وأربى على ( من ) « 1 » تقدّمه من أمثاله ، وفشى مع ذلك في الناس الموتان ، وشنع الوباء حتى لم يبق أحد من الأعيان ولا ذوي اليسار .
وبلغ ذلك البرتقالي من ملوك النّصارى فعمر أصطولا فيه نحو ثلاث مائة مركب ، وسار به إلى سبتة ، وقد انتشرت الفتن ببلاد المغرب ، وهلك أهلها بالجوع والفناء ، واختلت أحوال أهل سبتة خللا فاضحا ، فبعث أميرها صالح بن صالح وحشر أهل الجبال التي تعدّت منه وأنزلهم على البلد ، فلم يقدر النّصراني على الدّنو منها ، ومضى إلى جزيرة فيما بين سبتة وجبل الفتح تسمى طرف القنديل وتستّر بها حتى طال مقام أهل الجبال لخارج سبتة ونفدت أزوادهم ، فرأى النّاس بالمدينة أنّ النّصراني قد انصرف عنهم وأن في إقامة أهل الجبال ضرر عليهم لعجزهم عن القيام لهم بما يمونهم ، فصرفوهم إلى جبالهم . وكان بالمدينة عين للنّصارى فأعلمه بذلك فعاد إلى سبتة ونزل عليها فخرج المسلمون وقاتلوه فغلبهم بكثرة من معه فالتجئوا إلى المدينة والنّصارى في إثرهم حتى ملكوا الميناء ، فخرج المسلمون بأولادهم وما أمكنهم حمله ومرّوا على وجوههم وفيهم الأمير صالح . وتركوا المدينة بما فيها فدخلها النصارى في سابع شعبان سنة تسع عشرة وثماني مائة ، وملكوها بغير مانع ولا منازع ، ونقلوا ما كان بها من الكتب المؤلّفة في سائر العلوم ، وكان شيئا كثيرا ، وحملوها إلى بلادهم وحملوا أيضا ما وجدوه من الرّخام والأثاث والأمتعة ، وغيرها حتى نقلوا أبواب الدّور ، واستمرت بأيديهم
هامش
( 1 ) إضافة لتستقيم الجملة .