كان من إجلابه العرب عليه مشايعة للسّلطان عبد العزيز المريني ، فأراده بسوء ثم صرفه اللّه عن ذلك لعذل محمد بن عريف ولومه له ، عادة من اللّه تعودها من جميل الصّنع وخفي اللّطف .
وما زال بتلمسان مع أهله وولده يبثّ العلم وينشره إلى أن تخيّل من السّلطان فخرج منها ولحق بأحياء أولاد عريف « 1 » في البادية فتلقوه بالكرامة والبر ، فمكث بين أظهرهم مع أهله وولده أربعة أعوام ، متخلّيا عن الشواغل كلّها ، فارغ البال من مقالبة السّلطان ومقارعة الأعداء ، فشرع حينئذ في تأليف كتاب « عنوان العبر » ، وأكمل مقدمته في تلك الخلوة .
ثم ارتحل عنهم في شهر رجب سنة ثمانين يريد تونس ، جوه الذي ربى فيه ، وعشه الذي درج منه ، فسلك القفراء إلى سوسة ، فلقي بها أبا العباس سلطان تونس « 2 » والخليفة بزعمهم ، فبر مقدمه وبالغ في تأنيسه ، وشاوره في مهمّات أموره ، وجهّزه إلى تونس ، وقد أوعز إلى نائبه بها أن يهيء له منزلا ويقوم بكفايته من الجراية والعلوفة وغيرها . فوصل إلى تونس في شعبان سنة ثمانين وتفيأ وارف ظلّ العناية من السّلطان ، واجتمع شمله بما له من أهل وولد في مرعى تلك النّعمة ، وألقى عصا التّسيار .
ولما قدم السّلطان إلى تونس استدناه لمجالسته ، وناجاه في خلوته ، فغصّ بطانته بذلك ، وأفاضوا في السّعايات فلم تنجح ، وثار لمساعدتهم على عتوهم وبغيهم شيخ الفتيا إذ ذاك بتونس محمد بن عرفة غيرة وحسدا ، فاتفقوا على التأليب والسّعاية والسّلطان معرض عنهم ، وقد كلّفه بالإكباب على تكملة كتاب « عنوان العبر » فأكمله ، ورفع إلى
هامش
( 1 ) التعريف 228 - 229 .
( 2 ) ينظر التعريف 230 - 245 .