سلطان بجاية لقدومه ، وأركب أهل دولته للقائه ، وتهافت أهل البلد عليه من كل أوب ، يمسحون أعطافه ، ويقبّلون يده ، وكان يوما مشهودا . ولما وصل إلى حضرة السّلطان حيّاه وخلع عليه وحمله « 1 » ، وأمر من الغد أهل الدّولة بمباكرة باب دار أبي زيد ، فاستقلّ بحمل الملك ، واستفرغ جهده في سياسة الأمور وتدبير الأحوال ، وقدّم مع ذلك لخطابة الجامع ، ولم يشغله هذا عن تدريس العلم بعد انصرافه من تدبير الملك ، غدوة كل يوم إلى أثناء النهار لا ينفك عن ذلك .
فلما قتل السلطان أبو عبد اللّه ، وقام بعده ابن عمّه السّلطان أبو العباس « 2 » ، عامل أبا زيد بوافر الإحسان وعظيم الكرامة ، وأجرى أحواله كلّها على معهودها ، فكثرت السعاية عنده بأبي زيد حتى أحسّ بذلك ، فطلب الإذن بالانصراف من السّلطان فأذن له بعد لأي ، وخرج يريد العرب « 3 » ، فتلقاه كتاب السّلطان أبي حمّو صاحب تلمسان « 4 » ، يستدعيه لحجابته وعلامته ، وهو ببلد بسكرة ، وفي طي الكتاب مدرجة بخط السّلطان نصّها : « الحمد للّه على ما أنعم ، والشّكر للّه على ما وهب ، ليعلم « 5 » الفقيه المكرّم أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون حفظه اللّه ، على أنك تقصد إلى مقامنا الكريم ، لما خصصناكم به من الرّتبة المنيفة والمنزلة الرّفيعة ، وهو قلم خلافتنا والانتظام في سلك أوليائنا ، أعلمناكم بذلك » . وكتب بخط يده « عبد اللّه المتوكل على اللّه موسى بن يوسف لطف اللّه به وخار له » ، وبقية الكتاب بخط الكاتب . فبعث أخاه يحيى كالنائب عنه متفاديا من السّلطان طالبا للإعفاء ، فوصل إليه واكتفى به « 6 » .
هامش
( 1 ) حمله : أعطاه ظهرا « مركوبا » يحمل عليه .
( 2 ) التعريف 99 .
( 3 ) في الأصل : « المغرب » ، وهو تحريف صوابه ما أثبتناه من التعريف ، وسيأتي في الفقرة الآتية دليل ذلك أيضا .
( 4 ) التعريف 102 .
( 5 ) في الأصل : « ليعمل » ، خطأ وما أثبتناه من التعريف .
( 6 ) التعريف 103 .