وأركب خاصّته للقائه ، ثم خلع عليه عند مثوله بين يديه ، وخرج الوزير ابن الخطيب مشيّعا له إلى مكان نزله ، وخاطبه ابن الخطيب بقطعة من نظم ونثر منها :
حللت حلول الغيث في البلد المحل * على الطائر الميمون والرّحب والسّهل
يمينا بمن تعنو الوجوه لوجهه * من الشّيخ والطّفل المهدأ والكهل
لقد نشأت عندي للقياك غبطة * تنسّي اغتباطي بالشّبيبة والأهل
ثم إنّ السّلطان نظمه في علية أهل مجلسه ، واختصّه بالمناجاة في خلوته ، والمواكبة في ركوبه ، والمواكلة والمطايبة والمفاكهة في أوقات أنسه ، وأقام على ذلك إلى أن سفر عنه « 1 » سنة خمس وستين إلى الطاغية بمدينة إشبيلية « 2 » ، فعامله من الإكرام بما لا مزيد فوقه ، وأظهر الاغتباط بمكانه ، وعلم بأوّلية سلفه بإشبيلية ونباهة قدرهم ، ورأى قرطبة ثم انصرف ، وقد زوّده الطاغية وحمّله واختصه ببغلة فارهة بمركب ولجام ذهبيين ، ووصل إلى السّلطان ابن الأحمر بالجواب ، وأقام عنده على حال العزازة والكرامة والاختصاص ، فلم تلبث الأعداء وأهل السعايات أن خيّلوا للوزير ابن الخطيب من ملابسة أبي زيد السّلطان واشتماله عليه ، وحرّكوا له حوار الغيرة ، فتنكر ، واشتمّ منه أبو زيد رائحة الانقباض فبادر إلى الارتحال عن الأندلس .
وفي أثناء ذلك وردت عليه كتب السّلطان أبي عبد اللّه صاحب بجاية « 3 » ، بأنه قد استولى ويستدعيه لحضرته ، فاستأذن ابن الأحمر في الرحلة ، وعمّى عليه شأن ابن الخطيب ابقاء لمودته ، فارتمض لذلك ولم يسعه إلا الإسعاف ، فودّع وزوّد وكتب مرسوما بالتشييع ، فركب البحر للنصف من سنة ست وستين ونزل بجاية « 4 » ، خامس الإقلاع ، فاحتفل
هامش
( 1 ) أي : صار سفيرا عنه .
( 2 ) التعريف 84 - 85 .
( 3 ) التعريف 91 .
( 4 ) نفسه 97 - 98 .