عبد الرحمن النّديم ، وولّى آخر حسبة دمشق وشرع في عمارة جامع بني أمية ، وعمارة المارستان النّوري وغير ذلك مما احترق في فتنة تمرلنك فاقتدى به النّاس في ذلك وأنشئوا قياسير وحوانيت ومساكن كثيرة ظاهر مدينة دمشق من شمالي السّور وشرقيه وغربيه ، وأوجرت بأجور كثيرة جدا ، وتضاعفت مع ذلك أجر الحوانيت القديمة لكثرة إقبال النّاس إلى دمشق .
فلما أهلّت سنة خمس وثماني مائة قدم عليه بدمشق الأمير صروق الكاشف باستدعاء ، فأنزله وأكرمه ، ثم مضى بعد أيام ، ونزل عليه أيضا الأمير تغري بردي في سادس عشر المحرم وقد دخل في طاعة السّلطان بعد ما كان خرج من دمشق فارّا إلى حلب ، وانتمى إليه الأمير دمرداش ، فتلقاه وقام له بما يليق به حتى سار إلى القاهرة . ثم قبض في ثامن عشرينه على الأمير الكبير بدمشق أسن بيه وعلى حاجب الحجّاب جقمق وعلى جماعة بمرسوم ورد عليه بعد ما أبلّ من مرض حدث له ، وبعث بهم في ثالث صفر مع الأمير صروق إلى قلعة الصّبيبة فسجنوا بها .
وخرج في رابعه إلى سطح المزّة ليمرض هناك ، فجرت في عاشره في دمشق كائنة منكرة وهي أن دمرداش الحاجب ضرب شخصا في شكوى غريم له بسبب دين ظلما ، لأنّه أنكر ، ثم صالح غريمه ، فضربه لكونه صالحه بعد الإنكار ، وبرّح به في ضربه وطوّف به ، فشكا إلى قاضي القضاة علاء الدين عليّ بن أبي البقاء ، فطلب غريمه وضربه لكونه شكا إلى غير الشّرع وطوّف به ، وأرسل إلى الحاجب رسولا يستدعيه وينكر عليه ، فوجده قد مضى إلى النّائب بسطح المزّة ، فأتوا هناك فنصر الأمير شيخ الحاجب وسلّم إليه الشّهود ، فأتى بعضهم إلى داره وضرب أحدهم ضربا مبرّحا ، وضرب أيضا المدّعي عليه مرّة ثانية لشكواه إلى القاضي ، وطوّف بهما . وكان القاضي ركب إلى الأمير شيخ ومعه طائفة من الفقهاء فمنعهم من الكلام إلا القاضي ، فآل الأمر إلى أن بعث إلى الحاجب في إطلاق الشّهود ، فوجده قد أوقع بهم ما أوقع ، فأنكر النّاس
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 131
مساهمون: المقريزي
ص١٣١