تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
فيسّر اللّه تعالى له بالفرج وهيّأ له بالفرار ، ففرّ في ثامن شهر رجب من قبّة يلبغا . واتفق أنه قبل فراره بأيام يسيرة مرّ به بعض الفقراء وهو يسأل شيئا من القوت ، فقال له : أنا أسير وهذا قيدي ، وأظهره للسائل ، فتأسّف ودعا له وقال له : أنا أعلّمك ما تقوله إذا يسّر اللّه لك بالفرار منهم ، فتنجو إن شاء اللّه تعالى ، قل قوله تعالى :
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( 9 )
[ ياسين ] وتركه ومضى عنه ، فلما قدّر اللّه بفراره ترقّب القمر حتى غاب وانسلّ من بينهم ، فما هو إلّا أن فقدوه ، أخذوا في طلبه فرمى بنفسه بين الدّواب والأحمال وهو يرجف ويكرّر الآية المذكورة ، وهم دائرون حوله طويلا قد أعمى اللّه أبصارهم عنه إلى أن أيسوا من وجوده هناك مضوا ، فنهض ومشى حتى خرج من وطاقهم ، ثم أخذ على درب لا يدري أين يفضي به ، فوصل إلى قرية يقال لها : نسين ، ففك هناك قيده وقام يمشي على طريق الزّبداني ، ثم قصد طريق طرابلس ومعه فلّاح من أهل الزّبداني حتى دخل طرابلس ، وقد ولّى الملك الناصر عوضه في نيابتها الأمير آق‌بغا الجمالي الهذباني ، فأقام بها إلى أن عمل زاد سفره وركب البحر إلى مصر ومعه ناصر الدين محمد ابن بهادر المؤمني متسلّم برج أيتمش ، فوجد مركبين قد جهّزهما الأمير يشبك تقوية لمن انقطع من العسكر فأخذ منهما ما يحتاج إليه ، وطيّب اللّه له الرّيح ، فوصل في يوم وليلة إلى ساحل الطّينة ، فعبر البرّ وقصد قطيا ماشيا ، وهو صائم ، وكان قد نذر للّه أن يصوم الشّهر الذي يفك اللّه أسره فيه منهم طول عمره ، واستمر على ذلك لا يقطعه إلا من ضرورة ، فلما وصل إلى قطيا ودخل إلى الدّركاه لم يعرفه الوالي فلم يعبأ به ، فأخذ عند ذلك خشبة من بعض القطويين الواقفين بين يدي الوالي في الدّركاه وتقدّم إلى الوالي ليضربه ، فنهض قائما عن المصطبة إلى وسط الدّركاه ، فوثب الأمير شيخ وجلس مكان الوالي على مقعده ، فلما عرف الوالي به استغفر اللّه تعالى من الغفلة ، واعتذر إليه ، وقام له بما ينبغي أن يقوم به ، وأتاه