يا أيّها الفارس ادن لا ترع * أنا أبو مرّ وهذا ذو كلع
مسوّد بالشام ما شاء صنع * بلّغ عنّي أشيتر النخع
والأشعث الغيث إذا الماء منع * قد أكثروا العذر لديكم لو نفع
وأجابه الأشتر :
يا حوشب الجلف ويا شيخ كلع * أيّكما أراد الأشتر النخع
ها أنا ذا وقد يهولك الفزع * في حومة وسط قتار قد سطع
ثمّ تلاقي بطلا غير جزع * سائل بنا طلح وأصحاب البدع
وسل بنا ذاك البعير المضطجع * كيف رأوا وقع الليوث في النقع
كذاك يلقى من إمامه خلع * وخالف الحقّ بدين مبتدع
فلمّا كانت حروب صفّين كان أكثر أصحاب عليّ رضي اللّه عنه خروجا لقتال أهل الشام ، الأشتر : خرج يقاتل في رجال من القرّاء وفرسان العرب ، فخرج رجل قلّما رؤي أطول ولا أعظم منه ، فدعا إلى المبارزة فلم يخرج إليه أحد . وخرج إليه الأشتر فاختلفا ضربتين وضربه الأشتر فقتله فنادى مناد من أصحابه :
يا سهم ابن أبي العيزار * يا خير من نعلمه من زار « 1 »
وجاء رجل من الأزد فقال : أقسم باللّه لأقتلنّ قاتلك ! فحمل على الأشتر فضربه الأشتر فإذا هو بين يدي فرسه فحمل أصحابه فاستنقذوه جريحا . فقال أبو رفيقة الفهميّ :
كان هذا نارا * فصادفت إعصارا
[ بلاؤه في صفّين ]
ثمّ استعمله عليّ [ 28 ب ] رضي اللّه عنه في صفّين على مذحج ، وقيل : بعثه عليّ على خيل أهل الكوفة ، فخرج الأشتر يوم الأربعاء أوّل صفر سنة سبع وثلاثين ، وهو أوّل أيّام صفّين ، على خيل أهل الكوفة ، وعلى أهل الشام حبيب بن مسلمة فاقتتلوا قتالا شديدا جلّ النهار ، ثمّ تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض .
وخطب « 2 » في بعض أيّام صفّين الناس ، وكان جهير الصوت ، فقال : الحمد للّه الذي خلق
وَالسَّماواتِ الْعُلى * الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى * لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى
[ طه : 5 - 6 ] أحمده على حسن البلاء ، وتظاهر النعماء ، حمدا كثيرا ، بكرة وأصيلا ، من يهده اللّه فقد اهتدى ، ومن يضلل اللّه فقد غوى . أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله ، أرسله بالصواب والهدى ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون صلّى اللّه عليه وسلم . وقد كان ممّا قضى اللّه أن ساقتنا المقادير إلى هذه البلدة من الأرض ، ولفّت بيننا وبين عدوّنا . فنحن بحمد اللّه ونعمته ومنّه وفضله قريرة أعيننا ، نرجو في قتالهم حسن الثواب ، والأمن من العقاب ، معنا ابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وسيف من سيوف اللّه : عليّ بن أبي طالب ، صلّى مع رسول اللّه ، لم يسبقه بالصلاة ذكر حتّى كان شيخا ، لم يكن له صبوة ولا نبوة ولا سقطة ، فقيه في دين اللّه ، عالم بحدود اللّه ، ذو رأي أصيل وصبر جميل وعفاف قديم . فاتّقوا اللّه ، وعليكم بالحزم والجدّ ، واعلموا أنّكم على الحقّ
هامش
( 1 ) الطبري 4 / 575 وقال : زارة حيّ من الأزد .
( 2 ) الخطبة في نهج البلاغة 2 / 218 .