تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
وأنّ القوم لعلى الباطل يقاتلون مع معاوية ، وأنتم مع البدريّين قريب من مائة من أهل بدر ومن سوى ذلك من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم كثير ، معكم رايات قد كانت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومع معاوية رايات قد كانت مع المشركين على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فمن يشكّ في هؤلاء ، إلّا ميّت القلب ؟ فإنّما أنتم على إحدى الحسنيين : إمّا الفتح وإمّا الشهادة . عصمنا اللّه وإيّاكم بما عصم به من أطاعه واتّقاه ، وألهمنا وإيّاكم طاعته وتقواه ، وأستغفر اللّه لي ولكم . ولمّا انهزمت ميمنة عليّ رضي اللّه عنه وقتل أهل الشام عبد اللّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، أقبل عليّ نحو الميسرة يركض فمرّ بالأشتر ، فقال له : يا مال ! قال : لبّيك يا أمير المؤمنين . قال : ائت هؤلاء القوم فقل لهم : أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه ، إلى الحياة التي لا تبقى لكم ؟ فمضى الأشتر فاستقبل الناس مهزومين ونادى : إليّ أيّها الناس ، أنا مالك بن الحارث ، أيّها الناس ، أنا الأشتر ، إليّ أيّها الناس ! فأقبلت إليه طائفة وذهبت عنه طائفة ، فقال : عضضتم بهن أمّكم ! ما أقبح ما قاتلتم اليوم ! يا قوم ، غضّوا الأبصار وعضّوا بالنواجذ ، واستقبلوا القوم بهامكم ثمّ شدّوا شدّة قوم موتورين ثاروا بآبائهم وأبنائهم وإخوانهم ، حنقا على عدوّهم ، قد وطّنوا على الموت أنفسهم كيلا يسبقوا بثأر . إنّ هؤلاء القوم واللّه إن يقارعوكم إلّا عن دينكم ليطفئوا السنّة ويحيوا البدعة ، ويدخلوكم في أمر قد أخرجكم اللّه منه بحسن البصيرة . فطيبوا عباد اللّه نفسا بدمائكم دون دينكم ، فإنّ الفرار فيه سلب العزّ والغلبة على الفيء وذلّ المحيى والممات وعار الدنيا والآخرة . فاجتمعت إليه مذحج ، فقال : عضضتم بصمّ الجندل ، ما أرضيتم ربّكم ولا نصحتم له في عدوّه ، وكيف بذلك وأنتم أبناء الحرب وأصحاب الغارات ، وفتيان الصياح وفرسان الطراد ، وحتوف الأقران ، ومذحج الطعان ، الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم ولا تطلّ دماؤهم ولا يعرفو [ ن ] في موطن بخسف ، وأنتم أجدّ أهل مصركم وأعدّ حيّ في قومكم ؟ وما تفعلون في هذا اليوم فإنّه مأثور بعد اليوم فأبقوا مآثر الأحاديث في غد واصدقوا عدوّكم اللقاء ، فإنّ اللّه مع الصادقين . والذي نفسي بيده ، ما من هؤلاء - وأشار إلى أهل الشام - رجل على مثل جناح البعوضة من دين اللّه ، للّه أنتم ! ما أحسنتم اليوم القراع ! أجلوا سواد وجهي كي يرجع في وجهي دمي بهذا السواد الأعظم ! فإنّ اللّه لو فضّه تبعه من بجانبيه كما يتبع السيل مقدمه . فقالوا له : خذ بنا حيث أحببت . فصمد بهم وأخذ يزحف ويردّهم . واستقبله الشبام [ حيّ ] من همدان وكانوا ثمانمائة مقاتل قد صبروا في الميمنة حتى أصيب منهم ثمانون ومائة رجل ، وقتل أحد عشر رئيسا ، كلّما قتل منهم رجل أخذ الراية آخر ، وانصرفوا وهم يقولون : ليت لنا عدّتنا من العرب يحالفو [ ن ] نا ثمّ نستقدم نحن وهم فلا ننصرف حتّى نقتل أو نظفر ! - فمرّوا بالأشتر وهم يقولون هذا ، فقال لهم : إليّ ! إليّ ! أنا أحالفكم وأعاقدكم على أن لا نرجع أبدا أو نظفر أو نهلك ! وزحف نحو الميمنة وثاب إليه الناس ، وكان لا يصمد لكتيبة إلّا كشفها [ 29 ب ] ، ولا لجمع إلّا ردّة . فمرّ به « 1 » يزيد بن قيس [ الأرحبيّ ] وقد صرع ، فقال : هذا واللّه الصبر الجميل ، والفعل الكريم ! ألا يستحي الرجل أن [ ينصرف ] لم يقتل أو
هامش
( 1 ) مرّ به محمولا بعد مصرعه : وقعة صفّين 286 .