عنّي وعن الناس ، فو اللّه لا أرجع حتّى أرده « 1 » أو أموت . وأمر الأشتر فيعلو بخيله فيقف حتى آمره .
قال : ذاك إليك .
فرجع الأشعث فنادى : من كان يريد الماء فميعاده الصبح ، فإنّي ناهض إلى الماء .
[ القتال على ماء الفرات ]
فأتاه اثنا عشر ألفا ، وسار لمّا أصبح ، وبعث إلى الأشتر : أقحم الخيل ! - فأقحمها حتى وضعت سنابكها في الفرات ، وأخذت القوم السيوف ، وعليهم عمرو بن العاص ، وأبو الأعور السلميّ ، فنادى الأشعث عمرو بن العاص : ويحك عمرو ! خلّ بيننا وبين الماء ! فو اللّه لئن لم تفعل لتأخذنّا وإيّاكم السيوف !
فقال عمرو : لا واللّه ، لا نخلّي عنه حتّى تأخذنا وإيّاكم السيوف ، فنعلم أيّنا أصبر اليوم .
فترجّل الأشعث والأشتر فيمن معهما ، وحملوا على عمرو ومن معه حتّى أزالوهم عن الماء .
وفي رواية أنّ الأشعث قال : ويحك يا عمرو ، واللّه إن كنت لأظنّ أنّ لك رأيا ، فإذا أمتك أعقل منك . أترانا نخلّيك والماء ؟ تربت يداك وفمك ! أما علمت أنّا معشر عرب ؟ ثكلتك أمّك وهبلتك لقد رمت أمرا عظيما .
فقال عمرو : أما واللّه لتعلمنّ اليوم أنّا سنفي بالعهد ونقيم على العقد ونلقاك بصبر وجدّ .
فنادى الأشتر : ألا واللّه يا ابن العاص لقد نزلنا هذه الفرضة ونحن نريد القتال على البصائر . فما قتالنا سائر اليوم إلّا حميّة .
ثمّ كبّر الأشتر وكبّر الأشعث فما ثار الغبار حتى انهزم أهل الشام . وكان الأشتر يقول في حملته [ الرجز ] :
ويحك يا ابن العاصي * تنحّ في القواصي
واهرب إلى الصياصي * اليوم في عراص
نأخذ بالنواصي * لا نحذر التناصي
نحن ذرى الخماص * لا نقرب المعاصي
في الأدرع الدلاص * في الموضع المصماص [ 27 أ ]
فأجابه عمرو [ الرجز ] :
ويحك يا ابن الحارث * أنت الغبين الناكث
أنت الكذوب الحانث * أعدّ مال وارث
وفي القبور ماكث « 2 »
ثمّ إنّ الأشتر أعطى لواءه الحارث بن همّام النخعيّ الصّهبانيّ ، وقال : واللّه يا حارث ، لولا أنّي أعلم أنّك تصبر عند الموت لأخذت لوائي منك ، ولم أحبك بمكرمتي .
فقال : واللّه يا مالك ، لأسرّنّك اليوم في لوائك أو لأموتنّ !
وتقدّم وهو يقول [ الرجز ] :
يا أشتر الخيرات يا خير النخع * وصاحب النصر إذا عمّ الفزع
وكاشف الأمر إذا الأمر وقع * ما أنت للحرب العوان بالجذع
قد جزع القوم وعمّوا بالجزع * وجرّعوا الغيظ وغصّوا بالجرع
هامش
( 1 ) أو : أردّه ، أي : أردّ معاوية عن الماء أو أرد الماء
( 2 ) هذه المساجلات منقولة في وقعة صفّين 190 ، وقد شرح ناشره المرحوم عبد السلام هارون ما فيها من غريب .