أغضبت عبّاد عيسى إذ أبدتهم * للّه أيّ رضى في ذلك الغضب
وأطلع اللّه جيش النصر فابتدرت * طلائع الفتح بين السّمر والقضب
وأشرف المصطفى الهادي البشير على * ما أسلف الأشرف السلطان من قرب
30 فقرّ عينا بهذا الفتح وابتهجت * بفتحه الكعبة الغرّاء في الحجب
وسار في الأرض سير الريح سمعته * فالبرّ في طرب والبحر في حرب
وخاضت البيض في بحر الدماء وما * أبدت من البيض إلّا ساق مختضب
وغاص زرق القنا في زرق أعينهم * كأنّها شطن تهوي إلى قلب
توقّدت وهي غرقى في دمائهم * فزادها الطّفح منها شدّة اللهب
35 أجرت إلى البحر بحرا من دمائهم * فراح كالراح إذ غرقاه كالحبب
وذاب من حرّها عنهم حديدهم * فقيّدتهم به ذعرا يد الرّهب
تحكّمت وسطت فيهم قواضبها * قتلا وعفّت لحاويها عن السّلب
كم أبرزت بطلا كالطّود قد بطلت * حواسّه فغدا كالمنزل الخرب
كأنّه وسنان الرمح يطلبه * برج هوى ووراه كوكب الذّنب
40 بشراك يا ملك الدنيا لقد شرفت * بك الممالك واستعلت على الرّتب
ما بعد عكّا وقد لانت عريكتها * لديك شيء تلاقيه على تعب
فانهض إلى الأرض فالدّنيا بأجمعها * مدّت إليك فواصلها بلا نصب
كم قد دعت وهي في أسر العدى زمنا * صيد الملوك فلم تسمع ولم تجب
أتيتها يا صلاح الدين معتقدا * بأنّ داعي صلاح الدين لم يخب
أسلت فيها كما سالت دماؤهم * من قبل إحرازها بحرا من الذهب 45
أدركت ثأر صلاح الدين إذ غصبت * منه لسرّ طواه اللّه في اللّقب
وجئتها بجيوش كالسيول على * أمثالها بين آجام من القضب
وحطتها بالمجانيق التي وقفت * إزاء جدرانها في جحفل لجب
مرفوعة نصبوا أضعافها فغدا * للكسر والحطم منها كلّ منتصب
ورضتها بنقوب ذلّلت شمما * منها وأبدت محيّاها بلا تعب 50
وغنّت البيض في الأعناق فارتقصت * أبراجها لعبا منهنّ باللّعب
وخلّقت بالدم الأسوار فانفغمت * طيبا ولولا دماء الخبث لم تطب
وأبرزت كلّ خود كاعب نثرت * رؤوسهم حين زفّوها بلا طرب [ 443 أ ]
باتت وقد جاورتنا ناشزا وغدت * طوع الهوى في يدي جيرانها الجنب
بل أحرزتهم ولكن للسيوف لكي * لا يلتجي أحد منهم إلى الهرب 55
وجالت النار في أرجائها وعلت * فأطفأت ما بصدر الدين من كرب
أضحت أبا لهب تلك البروج وقد * كانت بتعليقها حَمَّالَةَ الْحَطَبِ وأفلت البحر منهم من يخبّر من * يلقاه من قومه بالويل والحرب