أنا أبنتهم وعلى يدي جرى أمرهم .
وكان في عسكر ابن الموفّق دبادب ، وهي جفان جوز قد طبّق مفتوحها بجلود إذا ضربت كان لها جلبة شديدة . فسمع عسكر المصريّين ما لا عهد لهم به ، فنفرت الجنائب وجالت الخيل متحيّرة بفرسانها ، واضطرب العسكر . وحمل عسكر ابن الموفّق على ميمنة المصريّين فانهزمت .
فلم يثبت أبو الجيش ومرّ على وجهه إلى مصر في ثلاثة أيّام وهو راكب حمارا ، وتبعه من كان في القلب .
وتقدّم « 1 » ابن الموفّق وابن الواسطيّ فملكا السواد ودخلا مضرب أبي الجيش فركع ابن الموفّق فيه ركعتين ، وعنده أنّه قد تمّ له الظفر .
فخرج سعد الأيسر وكان في الكمين والتقى مع طبارجي وقد ثبت في الميسرة ، ونادوا بشعارهم وصاحوا : الرجعة ! قد عاد الأمير إلى الضرب ! وأكبّوا على العرائش بالسيوف والرماح ، فانهزم ابن الموفّق وابن الواسطيّ ، فسار ابن الموفّق إلى دمشق فلم يمكّن من المدينة فصار إلى طرسوس ، ولحق ابن الواسطيّ بمدينة أنطاكية .
ودخل أبو الجيش إلى مصر يوم الجمعة لثلاث خلون من ربيع الأوّل ، وأقبل العسكران يقتتلان ليس لواحد منهما أمير . فظفر قوّاد المصريّين وهم : سعد الأيسر ، وأحمد بن إسماعيل العجميّ ، وتشركين وخوطامش ، وطبارجي .
وأقام طبارجي وسعد أبا العشائر مضر بن أحمد بن طولون وناديا في الناس : هذا أخو أميركم ، وهذه الأموال تنفق فيكم - ووضعا العطاء . فلمّا قبض الناس أرزاقهم سكنت [ 444 أ ] نفوسهم . وسار العسكر إلى دمشق مع سعد الأيسر . وأخذ
طبارجي الأسرى من العراقيّين والرؤوس ، وكرّ راجعا إلى مصر ، بعد ما كتب لأبي الجيش بالفتح ، فشكر اللّه وتصدّق بمال كثير . وقدم طبارجي فطاف البلد بالرءوس والأسرى ، وخلع عليه ، وكان يوما مشهودا . فلمّا فرغ الأسرى من التطواف قال خمارويه للقوّاد : هؤلاء الضعفاء أسراكم وضيوفكم ، فتفرّقوهم وأحسنوا إليهم . فمن أحبّ المقام أجرينا عليه رزقا يسعه . ومن أحبّ اللّحاق بوطنه ، كتبنا له جوازا وأطلقنا له نفقة .
ففعل القوّاد ذلك ، وخيّروهم : فمنهم من أقام ومنهم من مضى ، واستولى عمّال خمارويه على أعمال الشام ، ودعي له على منابرها .
[ تصدّيه لأهل الشغب ]
ووقع بمصر غلاء ، فمنع من حمل القمح والدقيق إلى الحجاز . وأمر أبو الجيش سريّ بن سهل متولّي الشرطة السفلى أن يتولّى تفرقة القمح على الطحّانين حتّى يعمّ البلد بالخبز . فسأل سودان أبي الجيش السريّ أن يزيد الطحّانين الذين يشترون منهم زيادة على غيرهم ، فزادهم . فأرادوا أكثر ممّا زادهم ، فامتنع عليهم . فغضبوا وشغبوا وأقبلوا إلى الشرطة فامتنع السريّ بها ورماهم من أعلاها . فركب أبو الجيش من وقته فرس النوبة ، وأقبل بمفرده وفي يده مستوف فلم يلق أحدا إلّا ضربه ضربة تأتي عليه أو يكاد . فانهزم السودان وهو من ورائهم ، ثمّ رجع على الحمراء وقد نهبت طائفة من السودان ثياب القصّارين فأوقع بهم .
وتلاحقت به الغلمان من كلّ جهة ، فكان يوما مهولا سكن في قلوب العسكر من أبي الجيش فيه هيبة عظيمة ومسح عنه عار هزيمته بوقعة الطواحين .
ثمّ خرج من الفسطاط يوم السبت لتسع بقين من رمضان سنة إحدى وسبعين وسار إلى
هامش
( 1 ) في المخطوط : وانهزم ، وهو خطأ واضح .