وقد حسر الجواري عن وجوههنّ وأرسلن شعورهنّ من ورائهنّ محلولة وعليهنّ جلال سود وعبى مخرّقة في أعناقهنّ ، ومعهنّ عدّة جوق من النوائح المحزنة وقد أشعلت معهنّ ستّين شمعة ، وعدّة كبيرة من الفوانيس يحملها الخدم والبابيّة والنوائح يندبن ، والجواري يصحن ، وكان من قول النوائح بالأصوات الشجيّة :
جدّدوا همّي وأحزاني * وافرحة الأعدا بسلطاني !
يا ضاربه بالسيف شلّت يداك * قد بلغت يمناك منه مناك
لا ماتني ربّي حتى أراك * قد سمّروا عينيك وهذا جزاك
إلى غير هذا . فأقمن على هذا ستّ ليال ، كلّ ليلة من العشاء إلى السحر حتى قلق الناس وكثر توجّعهم وبكاؤهم . فهاجت حفائظ المماليك الأشرفيّة واجتمعوا إلى الأمير سنجر الشجاعيّ وبكوا عنده فهيّجه بكاؤهم ، واجتمع بكتبغا النائب وغيره من الأمراء ، حتى كان من قتل الأمراء ما ذكر في موضعه .
[ صفاته الجسميّة ]
وكان بطلا شجاعا مهابا عالي الهمّة ، يملأ العين ويرجف القلب . وكان ضخما سمينا كبير الوجه بديع الجمال مستدير اللّحية على وجهه رونق الحسن وهيبة السلطنة .
وكان إلى جوده وبذله الأموال في أغراضه المنتهى ، تخافه الملوك في أقطارها ، [ و ] أباد جماعة من كبار الدولة .
وكان منهمكا على اللذّات لا يعبأ بالتحرّز على نفسه لفرط شجاعته . وكان كرمه زائدا وإطلاقاته عظيمة .
وكانت واقعته تسمّى وقعة الأيدي والأكتاف ، لأنّ جميع من وافق على قتله قطعت أيديهم أوّلا ، وفيهم من سمّر ، وفيهم من أحرق ، وفيهم من قتل .
[ نماذج من توقيعاته ]
ولم يجدّد في زمانه مظلمة ولا استجدّ ضمان مكس . وكان يحبّ الشام وأهله . وكان عندما أقيم سلطانا ، منع أن يكتب إلى أحد بدعاء في أوّل المكاتبة مثل : حرس اللّه نعمة المجلس ، وما أشبه ذلك ، وقال : من هو الذي افتتح خطابه بالدعاء له ؟
ولمّا توفّي فتح الدين ابن عبد الظاهر « 1 » ، وأقام بعده عماد الدين ابن الأثير في كتابة السرّ بعث إليه ورقة بخطّة فيها : يا عماد ، اكتب كيت وكيت ! - ثمّ بعد مدّة جاءت إليه منه ورقة فيها بخطّه : يا عماد الدين ، اكتب بكذا وكذا ! - ثم بعد مدّة جاءته ورقة فيها : يا عماد الدين كاتب سرّنا ، اكتب بكذا وكذا !
وكان الموقّعون يكتبون في الطرّة إشارة إلى ما يعلّمه السلطان ، على قدر المكاتبة ، إمّا أن يكتب :
« آمره » ، أو يقولون « بيبرس » أو « قلاوون » أو « خليل » بحسب اسم السلطان . فأبطل ذلك ابن عبد الظاهر في أيّام الأشرف - أعني كتابة « خليل » - وكتب : « الاسم الشريف » ، فأعجب السلطان ذلك وأمر له لكلّ حرف بألف درهم . ووجدت أوراق كثيرة عند شرف الدين فضل اللّه كاتب السرّ بخطّ الأشرف إليه فيها مقاصد ما يكتبه عنه بعبارة
هامش
( 1 ) عبد اللّه بن عبد الظاهر ( ت 692 ) رئيس ديوان الإنشاء ، وهو صاحب كتاب « تشريف الأيّام والعصور في سيرة الملك المنصور » ، وكتاب « الألطاف الخفيّة من السيرة الأشرفيّة » : الأعلام 4 / 232 .