قريب » . ثمّ أمر الرقّاص « 1 » أن ينزعوا لجام فرسه ويسقوه من بئر هناك ، ففعلوا . وقصد بذلك أن يريهم قلّة اكتراثه بالعدوّ . ثمّ افترق القتال . فكتب إليه أبو يزيد يسأله في ردّ عياله وأولاده ونسائه ونساء رجاله وأولادهم الذين أخذوا من القيروان ، وحلف وأكّد الأيمان أنّه إن ردّهم رجع إلى الطاعة ، على أن يعطيه الأمان في نفسه وولده وأهله ويخلّي بينه وبين السكنى في منزله بتقيوس . فأجابه إلى ذلك ووجّه المنصور في رفعهم من المهديّة ، فلمّا علم أبو يزيد ذلك عزم على إخراج عسكر ليقطع عليهم الطريق ويخلّصهم ، فبلغ ذلك المنصور فبادره بالزحف ، وبرز إليه أبو يزيد فالتحم القتال وقتل جماعة .
فبعث أبو يزيد يقول : قد كان بيننا أمر في وصول العيالات ونتمّ ما عقدناه .
فردّ عليه المنصور : قد اتّصل بنا أنّكم أخرجتم خيلا تقطع على العيالات الطريق .
فقال أبو يزيد : كنّا على أن نفعل ذلك ، وما فعلنا .
فأمسك عن قتالهم . وقدمت العيالات فأبرّهم المنصور وبعث بنجّاب إلى أبي يزيد يخبره بقدومهم ليوجّه من يتسلّمهم ، وأمر بفازة فنصبت خارج المدينة وفرشت . فقدم رجلان من ناحية أبي يزيد فأنزلهما وحمل الطعام إليهما وكسا سائر عيالات أبي يزيد الديباج والخزّ ، وأعطى كلّ نسمة عشرة دنانير وبعث إلى الرسول بمائة دينار ، ووجّه بهم ليلا ، ومعهم عدّة أحمال من حلوى ، والمشاعل بين أيديهم وجماعة تحفّ بهم حتّى حلّوا بمعسكر أبي يزيد . فبعث بهم إلى جبل
أوراس ، ونكث ما عقده وحرّض أصحابه على الجهاد .
[ استئناف القتال ] :
فلمّا بلغ ذلك المنصور خرج قبل صلاة الفجر من يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجّة ، وقد تقلّد سيفه وبيده رمح ، وتمادى بعساكره إلى ناحية أبي يزيد فلم يخرج إليه أحد . فأمر بالهجوم عليهم . فهابوا ذلك فعاد وقد غضب ولم يخرج من مضربه أيّاما كثيرة ولا دخل عليه أحد . ووجد على كتامة فإنّ بعضهم كان قد قال له : « يا مولانا لا نقاتلهم في هذا اليوم فإنّه يوم الأربعاء » « 2 » .
فأكثر البربر في تلك الأيام من أخذ الناس في الطرقات . ثمّ زحفوا في يوم الأربعاء لخمس خلون من المحرّم سنة خمس وثلاثين فركب المنصور ، فكانت حرب عظيمة قتل فيها من أصحاب المنصور جماعة كثيرة . وهمّ بعض البربر ، وقد اقتحموا عليه ، أن يطعنه برمحه فحمل عليهم وهزمهم ، وقتل منهم خلق كثير .
ثمّ عاد القتال في يوم الخميس لثلاث عشرة خلت منه واشتدّ وعظم بحيث لم يكن قبله مثله .
وحمل أبو يزيد على الميمنة فهزمها ثمّ قصد القلب ، فبادر إليه المنصور بنفسه فخافت عليه كتامة وضرعوا إليه « 3 » أن يرجع وقالوا : « نحن أحقّ بهذا منك » . فزجرهم وقال : « إلى متى هذا التجنّب عن هذا الكلب ؟ وحقّ جدّي لا تركته ولا أمهلته ، ثقة منّي بوعد اللّه لرسوله ! » . ورفع ثيابه على عاتقه
هامش
( 1 ) الرقّاص : مثل النجّاب ، هو خادم موكّل بحمل الرسائل .
وهو هنا مكلّف بشؤون الأمير الخاصّة مثل مركوبه . وفي ملحق دوزي أنّ الكلمة خاصّة بالمغرب .
( 2 ) هذا التحذير من كتامة يحتاج إلى تفسير فلعلّه من ترّهات المنجّمين . وقد أكّد القاضي النعمان في المجالس والمسايرات ، 132 أنّ المنصور ، على درايته بعلم النجوم ، لم يكن يؤمن بتأثيرها في حظوظ الناس ولا في سير الحوادث .
( 3 ) في المخطوط : عليه .