وقال للعبيد والرجال بين يديه : فأجمعوا على بركة اللّه وعونه ، فهذا يوم الفتح إن شاء اللّه ، وبه أستعين وعليه أتوكّل .
فلمّا قرب أبو يزيد منه وعا [ ين ] صورته نكص على عقبيه [ 191 أ ] وولّى منهزما ، وأخذت السيوف أصحابه فأسلموا عسكرهم وأخبيتهم ، فقتل أصحاب المنصور من كان فيها وغنموها . فسجد المنصور على معرفة فرسه شكرا للّه ورجع إلى قصره . ونادى مناديه : من أتى برأس فله ربع دينار ، فأتي بزائد على عشرة آلاف رأس .
وأصبح المنصور يوم الجمعة فأخرج أحمالا كثيرة ، دنانير ودراهم ، تصدّق بها على الفقراء والمساكين والمستورين « 1 » .
[ إسقاط الضرائب عن أهل القيروان ] :
وأمر جعفر بن عليّ الحاجب بالسير إلى الجامع فصلّى الجمعة ، ثمّ صعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه وشكره على ما رزق من النصر والظفر ، وما كشف غمّته « 2 » بالأمير عن الخاصّ والعامّ ، والحاضر والبادي ، من البلاء ، وما رزقهم من الأمن والسلامة ، ثمّ قال :
« معاشر الناس ، مولانا وسيّدنا الأمير إسماعيل - أطال اللّه بقاءه وأدام عزّه وخلّد ملكه - يقرأ عليكم السلام ويقول لكم : قد علم اللّه حسن نيّتي لكم وما نويته من الخير فيكم وما أحبّه من صلاح أموركم . وإنّ لي آمالا حسنة فيكم منع من إظهارها ما كان من وقائع بيني وبين هذا الفاسق .
فلو كنّا أظهرنا ما نؤمّله من الإحسان قبل الظفر لقال الجاهل : إنّما فعل ذلك استمالة لقلوب الرعيّة وخوفا من العدوّ .
« فلمّا كان من فضل اللّه علينا ما علمتموه ، ومن نصره لنا ما رأيتموه ، أردنا أن نقابل منّة اللّه علينا بالشكر له عزّ وجلّ والإحسان إلى عباده ، والرفق بخلقه ، وأردنا أن نظهر بعض ما نويناه فيكم ، إذ كان إظهاره بعد الفتح أولى وأشبه .
« قد ترك لكم الأمير ، أعزّه اللّه ، ما يجب عليكم من العشر والصدقات وجميع اللوازم ، وفعل ذلك بجميع الناس ، مسلميهم وذمّيّيهم ، رفقا بهم ، وعونا لهم على عمارة أرضهم . فليبلّغ الشاهد الغائب !
« ثمّ لا يؤخذ منكم في استقبال السنين إلّا العشر والصدقة : فالطعام من الطعام ، والشاة من الغنم ، والثور والبقر من السائمة ، على فرائض اللّه عزّ وجلّ وسنّة جدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .
« ثمّ بعد ذلك يساق إليكم من الإحسان والعدل ، وإحياء الحقّ ، وإماتة الباطل ، ما تعظم به منّة اللّه عليكم ، وتعرفو [ ن ] به بركة أيّامي ويمن دولتي إن شاء اللّه » .
فكبّر « 3 » الناس في الجامع ومن حوله وارتفعت أصواتهم بالبكاء والدّعاء .
وأخذ المنصور في السفر لطلب أبي يزيد ، فأقام بالمنصوريّة « 4 » باقي محرّم ، وصفر ، وأكثر ربيع الأوّل [ سنة 335 ] .
[ ملاحقته أبا يزيد ] :
ورحل يوم الأحد لأربع بقين من شهر ربيع الأوّل واستخلف على البلاد مداما الصقلبيّ « 5 » .
هامش
( 1 ) المستورون : ضعفاء الحال المتعفّفون عن المسألة .
( 2 ) قراءة تقريبيّة ، ففي المخطوط : عليه ، بدون إعجام .
وسايرنا عيون الأخبار ، 378 .
( 3 ) في المخطوط : فكبّروا .
( 4 ) هذا سبق للأحداث : فالمنصور لم يسكن المنصوريّة إلّا ابتداء من سنة 337 . وإنّما أمر في هذه الآونة بالشروع في بنائها . انظر عيون الأخبار ، 386 .
( 5 ) في حاشية الصفحة كتب الناسخ هذه الإضافة : مات مدام الصقلبيّ سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة .