تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
ورحل من الغد وهو يوم الخميس لأربع عشرة خلت من جمادى الأولى ، فنزل المسيلة فأقام بها خمسة عشر يوما ، وقد كثر الإرجاف بالقيروان بعد هذه الوقعة . فكتب مدام بذلك إلى المنصور ، فوقّع إليه بخطّه : « ذكرت ما كان المرجفون أشاعوه ، وخاضوا فيه وأذاعوه ، وأنّ ذلك أقلقك وأغمّك ، وقد كنت تقدّمت إليك قبل خروجي وأمرتك بالإعراض عمّا تسمعه والإقبال على ما تعتقده ، وعرّفتك أنّي لم أركب الغرر وأتجشّم الخطر ، وإنّما خرجت منتجزا لوعد قديم ، من ربّ عزيز حكيم ، لا تبديل لكلماته ، ولا رادّ لأمره ، ولا خلف لوعده . فثق بربّك واتّقه ترشد وتسعد . واقرأ هذا الفصل على المنبر إن شاء اللّه » . فقرأ ذلك مدام فسكن الإرجاف . ورحل المنصور من المسيلة لليلتين بقيتا من جمادى الأولى ، في طلب أبي يزيد وأمر الناس بالزحف فساروا على تعبئة الحرب قبائل وعرائف « 1 » ، وركب المنصور على نجيب ولبس جوشنا مذهبا عليه خفتان أحمر مثقل وعلى رأسه عمامة خزّ صفراء حتّى نزل في وسط جبل سالّات على ماء جار . ففرّ أبو يزيد يريد الرمال فرحل في طلبه . واجتمع إليه الأدلّاء وعرّفوه أنّه موضع ما سلكه عسكر قطّ . واشتدّ الأمر على العسكر وعدموا الشعير وغيره فبلغ علف الدابّة دينارا ونصفا وقربة الماء دينارا . وعلّف أكثر الدوابّ الحلفاء . فعاد إلى بلد صنهاجة . فلقي الناس من الوعور والثلج ما يئسوا معه من أنفسهم ومات منهم كثير . فأناخ المنصور ستّة أيّام حتّى تلاحق به الناس . ووافاه البريد من المهديّة بمولد ولد له اسمه هاشم . وقدم عليه زيري بن مناد بعساكر صنهاجة فحمله وخلع عليه وقلّده سيفا ووصله بصلة جزيلة وعقد له على قبائل صنهاجة والبربر . وفي مناخه هذا اعتلّ .

[ دخوله بلاد صنهاجة ] :

ورحل في نصف جمادى الآخرة ثمّ نزل بوسط بلد صنهاجة ليشتّي هنالك فاشتدّت به العلّة ثلاثة عشر يوما ثمّ نقه . ورحل إلى [ 192 أ ] المسيلة يوم الأربعاء لليلتين خلتا من رجب ، وقد سبقه أبو يزيد إليها فارتفع إلى جبال كيانة . فاستدعى المنصور كتامة وعجيسة وزواوة وغيرهم فأتوه وأخذ على أبي يزيد الطرق فانحصر أبو يزيد في تلك الجبال . ثمّ ركب المنصور يوم السبت لعشر خلون من شعبان متنزّها في أربعة آلاف فارس ومعه زيري في خمسمائة من صنهاجة ، وكان النكّار قد كمنوا له . فلمّا سار ركبوا ساقته فعطف عليهم وقاتلهم . فأقبل أبو يزيد في خلق عظيم ، فاستدعى المنصور بقيّة عساكره فأتته ، وجرّد سيفه وقصد أبا يزيد فلم يثبت له وولّى على وجهه وأسلم أولاده ، فركب السيف أقفية أصحابه فقتلوا أبرح قتل واتّبعوا في الجبال وبطون الأودية ، ونجا أبو يزيد إلى الوعر فخلص ، والعسكر في طلبهم أربعين ميلا حتّى كلّت الخيول وتكسّرت السيوف . وحزّ منهم ألف وسبعون رأسا وجّه بها إلى القيروان « 2 » . وكانت القتلى يومئذ يزيدون على عشرة آلاف . ولم يقتل من الأولياء فارس واحد . وغنموا ما لا يدخل تحت حصر . ورأى الناس في ذلك اليوم أعجوبة : وذلك أنّ الفريقين لمّا برزا للقتال أقبلت النسور والغربان من وراء النكّار قبل الهزيمة فوقفت كالمنتظرة للحومهم
هامش
( 1 ) هكذا في المخطوط ، ولعلّها عرائق بالقاف ، جمع عرقاة على غير قياس ، بمعنى الأرومة والأصل . ( 2 ) في عيون الأخبار ، 409 : إلى المهديّة .