تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
ذلك بقيّة سنة أربع وسنة خمس وثلاثين . وكان القائم بأمر اللّه قد عقد الأمر في حياته لابنه قاسم « 1 » فمات قاسم ، ورجع الأمر إلى إسماعيل في الوقت المقدّم ذكره ، دون عمومته وإخوته « 2 » . فلمّا كانت سنة ستّ وثلاثين أظهر إسماعيل موت أبيه بعد أن أمكنه اللّه من أبي يزيد ، فتسمّى حينئذ بأمير المؤمنين .

[ استعداده لحرب أبي يزيد ] :

ولمّا أفضى الأمر إليه أخذ في أهبة السفر وأعدّ السلاح وآلة الحرب وألقى المراكب في الماء وشحنها بالرجال والسلاح والعدّة ، ووجّه بعضها إلى مدينة سوسة وقوّد عليها رشيقا الكاتب ، فوصل إليها لإحدى عشرة خلت من شوّال . ثمّ ركب لعشر بقين منه إلى دار الصناعة ، وأمر يعقوب بن إسحاق أن يشحن ستّة مراكب بالرجال من ساعته ففعل . فأمره أن يركب فيها فعظم ذلك عليه ، وسأله أن يمضي إلى داره لوداع أهله فمنعه من ذلك ، وأمره أن يمضي [ 189 ب ] بالمراكب إلى سوسة ويلتقي مع رشيق وقال : « لا تقاتلوا أحدا حتّى يأتيكم رسولي ، وإن طلب أبو يزيد والبربر قتالكم فلا تقاتلوهم » . فتوجّه يعقوب لا يدري أحد ما أسرّ إليه . ثمّ قال لجماعة كتامة والعبيد : « وافوني بالغداة في قرية « بكّة » بسلاحكم وعدّتكم ، فإنّي أريد أن أتنزّه وأرى آثار العدوّ » - يعني أبا يزيد - وقرية بكّة على ميلين من المهديّة . فبكّر من قصره في شرذمة من عبيده وخدمه قبل الصبح من يوم الاثنين لتسع بقين من شوّال ووافته العساكر فتوجّه بهم مع الساحل يريد مدينة سوسة ، وهم لا يدرون إلى أين يقصد ومع ذلك يخافون من أبي يزيد لما يعلمون من قوّته وكثرة عدده . فبلغ قرية « لمطة » ، وهي نصف الطريق من المهديّة إلى سوسة . فاجتمع الناس إليه وسألوه عن مراده وأن لا يخاطر بنفسه وبهم . وكانت « 3 » عدّتهم ستّمائة فارس . فقال لهم : « قد عزمت على التّمادي إلى هذا العدوّ بنفسي » . فسألوه وتضرّعوا إليه في الرجوع حتى أذعن . فدعا كبون بن تصولا وقدّمه إلى سوسة ووصّاه ، فتوجّه ، وقد حار من قوّة العدوّ وشدّة شوكته لأنّه كان في زيادة على مائة ألف وكبّون في أربعمائة فارس . وقدم المنصور بمن معه إلى المهديّة فوافاها صلاة المغرب .

[ فكّ الحصار عن سوسة ] :

فلمّا كان صباح يوم الثلاثاء قرّب يعقوب مراكبه إلى البرّ وأنزل رجاله في هدوء وسكون بالقرب من الباب . فجلسوا تحت درقهم ، ووقف راكبا في وسطهم فخرج إليه رشيق بمن معه ، والرماة يحمونه من أعلى السور . فلمّا رآهم أبو يزيد وتأمّل سكونهم قال : « هؤلاء قوم ينتظرون غيرهم » . وقرب كبّون من أبي يزيد ، فركب أبو يزيد بجموعه ، وخرج أهل سوسة مع رجال المنصور ، فاقتتلوا قتالا شديدا فانكسر أبو يزيد وانهزم إلى القيروان ثمّ توجّه إلى ناحية سبيبة . وغنم أصحاب المنصور أثقاله ، وقتلوا من أصحابه خلقا كثيرا . فخرج المنصور لمّا بلغه فتح سوسة في يوم الأربعاء لسبع بقين منه ، فوصل إلى سوسة ونزل
هامش
( 1 ) لم يرد اسم قاسم هذا في أبناء القائم كما عدّدهم المقريزيّ في ترجمته للخليفة الثاني ( ترجمة القائم 6 / 169 رقم 2641 ) . ( 2 ) الوراثة لا تنتقل إلى الإخوة في تقاليد الإسماعيليّة ، فلا وجه لهذا التوضيح من المقريزيّ ، إلّا إذا أراد أن يلمّح إلى المنافسات التي انجرّت عن تعيين المنصور والتي نجد صداها في المجالس والمسايرات للقاضي النعمان وفي سيرة جوذر . ( 3 ) في المخطوط : وكان .
المقفى الكبير — صفحة 77 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي