تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
ظاهرها ، وأتاه خبر رحيل أبي زيد عن القيروان فسرّه ذلك ، وكتب كتابا يؤمّن فيه أهل القيروان . وأصبح راحلا إلى مدينة القيروان فخيّم خارج المدينة يوم الخميس لستّ بقين منه ، وهو في قلّة من العسكر مع ضعف الدوابّ . فخرج إليه الناس فأمّنهم ووعدهم خيرا . ووجد بالقيروان جماعة من حرم أبي يزيد ونسائه وأولاده فجمعهم وكساهم وحملهم إلى المهديّة وأجرى عليهم الأرزاق . وولّى قضاء القيروان محمّد بن أبي المنظور « 1 » . وكتب إلى القبائل التي بجبال إفريقية يأمرهم بالقدوم ، فتثاقلوا عنه . وجمع أبو يزيد قبائل البربر حتّى صار في خلق كثير وكان على يومين من مدينة القيروان ، فأوقع أصحابه بكبون بن تصولا وقتلوه « 2 » بعد حروب شديدة وقتلوا معه عددا كبيرا . فعزم المنصور على حفر خندق على معسكره وشاور في ذلك وجوه رجاله ، فكلّهم كره حفره وقالوا : « هذه ذلّة » . فقال لهم : « إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم قد حفر خندقا وتحصّن به ، ونحن أولى أن نفعل فعله ونتأدّب بأدبه ونقتفي أثره » . وأمر بحفر الخندق فبدئ فيه يوم الأربعاء غرّة ذي القعدة ، وأخذ فيه الناس بالجدّ .

[ القتال حول القيروان ] :

وأقبل أبو يزيد إلى القيروان ونزل قريبا منها . وزحف ليلة الجمعة لثلاث خلون منه مخفّا ليبيّت العسكر . وكانت ليلة مظلمة فأخطأ الطريق فلم يصل إلّا عند الفجر . فقامت الحرب على ساق ، وركب المنصور وعبّأ الصفوف ، والقتال يشتدّ وهو يكرّ على العدوّ يمينا وشمالا ، وهو في قلّة من أصحابه ، والمظلّة على رأسه فصارت كالعلم يعرف بها . ونزل على موضعه وحوله نحو خمسمائة فارس ، وأبو يزيد في زائد على ثلاثين ألف فارس . فهزم البربر أصحاب المنصور حتّى أدخلوهم الخندق [ 190 أ ] وهرب جماعة منهم إلى داخل القيروان ونهبت فازات كثيرة حتى بقي المنصور في تقدير عشرين فارسا من خدمه الذين لا يعرفون القتال . فأقبل أبو يزيد في جماعة يريد المنصور . فحمل عليهم المنصور مشهّرا سيفه ذا الفقار « 3 » . وأراد الصقلبيّ أن يلقي المظلّة عن رأسه ليخفي موضعه فزجره ونهره وقال : « لا تجزع فإنّ للّه وعدا لا يخلفه » . وأقبل نحو أبي يزيد حتى كاد أن يضع سيفه في رأسه ، فألقى اللّه الرعب في قلب أبي يزيد فولّى هاربا مع أصحابه ، فقتل من أدرك منهم وثبت مكانه ومسح الغبار عن وجهه بكمّه وقال لمن حوله من النجّابين « 4 » ، ولم يبق منهم غير أربعة : « اذهبوا فردّوا الناس ! » وقد أخذ كثير منهم طريق المهديّة وطريق سوسة ، فرجع من كان قريبا منه وأتوه من كلّ جهة فقال لهم وهو يبتسم : « ادخلوا في [ كمّي ! ] . فاستحيى القوم منه . وكثر العجب من ثباته هذا الثبات مع أنّه لم يحضر قتالا قبله . وكان نساء أهل القيروان فوق الأسطحة يصرخن ويبكين ويرمين المنهزمين بالحجارة ويقلن : « يا كلاب ، تركتم مولاكم ، أخرجتموه من حصنه وأسلمتموه ! » . وماج أهل البلد
هامش
( 1 ) سيبقى ابن أبي المنظور قاضيا على القيروان إلى وفاته سنة 337 . وانظر ترجمته في رياض النفوس ، 2 / 357 . ( 2 ) عند الداعي إدريس ، 359 ، أنّه قتل في كمين نصبه فضل بن أبي يزيد . وكان كبون واليا على طبنة في بداية الثورة المخلديّة . وفي مخطوطنا هذه المرّة : كبون بن تصولات . ( 3 ) السيف ذو الفقار : انظر في شأنه المجالس والمسايرات للنعمان ، 114 ، ووقعة صفّين لنصر بن مزاحم ، 546 ، وعيون الأخبار ، 732 . ( 4 ) النجّاب : الساعي الذي ينقل البريد وطلبات الأمير من مكان إلى مكان راكبا على نجيب ، أي فرس أو جمل .
المقفى الكبير — صفحة 78 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي