خوفا « 1 » من البربر ، وعاود الفريقان القتال وتمادى بينهم إلى بعد الظهر فقتل بينهم خلق كثير ، وكان يوما شديد الحرّ ، فانصرف البربر إلى معسكرهم .
فكان هذا اليوم من الأيّام المشهورة ، وقد وصفه جماعة من الشعراء . [ و ] قال أبو يزيد لمّا رجع إلى مناخه : « ما رأيت قطّ أثبت من إسماعيل ولا أشجع . هذا يصلح أن يكون ملكا » . وفي ذلك يقول محمّد بن الحرث « 2 » الأبروطي من قصيدة طويلة [ طويل ] :
ولم أر كالمنصور باللّه ناصرا * لدين ، ولا أحمى لملك وأمنعا
ألم تر يوم القيروان وقوفه * وقد همّت الأكباد أن تتصدّعا ؟
وأبرز عن وجه من الصبر أبيض * يقابل وجها للكريهة أسفعا « 3 »
ثمّ زحف أبو يزيد في يوم الاثنين إلى الخندق فعبّأ له المنصور ووقف ووقعت الحرب فنادى مناديه : « من أتاني برأس أبي يزيد فله عشرة آلاف دينار » . وكانت في هذا اليوم أعجوبة وقف عليها جميع أهل العسكر : وذلك أن رجلا من البربر حمل بدابّته إلى أن وقف بالقرب من المنصور فجعل يشتمه ويؤنّبه ، فهمّ الأولياء به من كلّ وجه ، فزجرهم عنه ، فلمّا استوفى مقالته رفع المنصور يديه إلى السماء وقال : « اللهمّ ، خذ لي بحقّي منه ! » فما هو إلّا أن ردّ فرسه البربريّ حتّى انقلب عليه الفرس فوقع قربوس « 4 » سرجه على صدره
فمات من حينه وحمل الأولياء عليه فجزّوا رأسه ، فخرّ المنصور ساجدا على معرفة « 5 » فرسه .
ووقعت الحرب وكانت للبربر . ثمّ اشتدّ القتال وعظم الحرّ وطلب المنصور الحشود وحثّ في ذلك ، فتوقّف كثير من الناس عنه مخافة أن تكون الغلبة لأبي يزيد . وقدم عليه طوائف فأنزل كلّ طائفة بموضع وخندقوا عليهم . فكانت الحرب كلّ يوم مرّة لهم ومرّة عليهم ، وغلب على ظنون أكثر الناس أنّ أبا يزيد سيظهر لما رأوا من قوّته وكثرته .
وأخذ أصحابه الناس في الطرقات إلى أن كان يوم الاثنين لعشر بقين منه ، فزحف أبو يزيد بنفسه وأطلق النار في بقية الأنادر « 6 » ، ونشب القتال ووقف المنصور على باب الخندق يمدّ العسكر بالخيل والرماة ، وأبو يزيد ثابت . فوجّه المنصور خيلا ورجالا ومعهم بندان وركب في أثرهم . فلمّا رآهم أبو يزيد ترك القتال وتوجّه نحو أخبيته فاشتدّت الهزيمة عليه وعلى أصحابه وأثخنتهم الجراح فمات منهم في هذه الليلة خلق عظيم ونقصت خيولهم [ 190 ب ] بالنشّاب . وعاد المنصور إلى معسكره .
[ حسن معاملته لحرم خصمه ] :
فلمّا أصبح أبو يزيد جمع أصحابه وأشار عليهم بترك القتال ، وبثّ أصحابه ينهبون ، ومنع الميرة عن القيروان إلى أن اشتدّ بهم الأمر . ثمّ زحف في نصف ذي الحجّة وقاتل قتالا شديدا ، وخرج المنصور وقاتل بنفسه حتّى هزمهم . ونزل فجلس على كرسيّ والقتال مشتدّ فسأله الأولياء أن يركب ، لخوفهم عليه فقال : « لا تخافوا فإنّ النصر
هامش
( 1 ) في المخطوط : جموعا . وأخذنا بقراءة عيون الأخبار ، 362 .
( 2 ) في عيون الأخبار ، 364 : محمّد بن سعيد . وكذلك فيما سيأتي .
( 3 ) سيأتي نقل أطول لهذه القصيدة ، مع شيء من الاختلاف :
« أن تتقطّعا » . وأيضا « وجه للحفيظة أبيض » .
( 4 ) قربوس السرج : حنوه ، أي القسم الإمامي المرتفع .
( 5 ) المعرفة ( وزن مدرسة ) : موضع العرف من الفرس ، أي شعر العنق .
( 6 ) الأنادر مفرده الأندر ، وهو الكوم من القمح ، وأيضا البيدر .