تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
ونادى مناديه بعد ما رحل : من عزم على صحبتنا للجهاد فلينهض معنا ! ومن كان ذا جبن عند اللقاء وفشل عند مصادمة الأعداء ، فليرجع إلى موضعه ووطنه ، وهو في حلّ وسعة . وقدم عسكر برقة . وقدم رسول ملك الروم ، فوصله بألف دينار وكسى نفيسة ، وردّه غرّة ربيع الآخر . وأعاد النداء في العسكر بمثل ما تقدّم ، وأتته القبائل شيئا بعد شيء ، ونزل إليه أهل تلك القلاع فأمّنهم وعفا عنهم ، وأمر الناس بالتهيّؤ للحرب . وركب نجيبا وسار على مقدّمة العسكر يريد لقاء أبي يزيد على باغاية . فلمّا علم به أبو يزيد ترك حصارها وفرّ . فنزل المنصور عليها وفرّق مالا كثيرا في ضعفائها . ثمّ رحل عنها يوم الأربعاء لعشر بقين من ربيع الآخر ، وسار حتى وصل إلى نقاوس . ورحل عنها وقد لبس درعا ومغفرا . وأمر الناس أن يسيروا على تعبئة الحرب ، وكان أبو يزيد على طبنة يحاصرها . فلمّا سمع طبول المنصور فرّ إلى جهة الرمال . فنزل المنصور على طبنة . وقدم إليه جماعة من قبائل كتامة . ثمّ رحل لليلتين [ 191 ب ] خلتا من جمادى الأولى يريد بسكرة فنز [ ل ] بقسطيلية « 1 » . ووافاه جعفر بن عليّ بن حمدون عامل المسيلة بهدايا من خيل وإبل ومال . وقدم معه بثائر قام بجبل الأوراس ادّعى أنّه من آل البيت ودعا إلى نفسه ، فاجتمع عليه البربر وتلقّب « بعبد اللّه الناصر لدين اللّه المحتسب في سبيل اللّه » فشهّر على جمل وسلخ حيّا « 2 » وصلب .

[ وصوله إلى بسكرة ثمّ المسيلة ] :

ثمّ رحل فنزل على بسكرة وقد فرّ أبو يزيد عنها إلى جبل سالّات على جهة الرمال حيث لا تسلك العساكر لعدم الماء . فمضى المنصور إلي المسيلة وقد جمع أبو يزيد النكّار من جبل سالات ونزل إلى جبل كيانة « 3 » في خلائق كثيرة ، وقصد أن يبيّت المنصور بمدينة مقرة ، فكمن في تلك الأوعار والجبال . فلمّا طلعت الخيل التي له على العسكر تصايحوا : « العدوّ ! العدوّ ! » . فخرج المنصور وقد لبس درعا وشدّ وسطه بمنطقة وأرخى لعمامته ذؤابة ، وهزّ رمحا وكسره واخترط سيفه ذا الفقار وقال : « ليس هذا يوم رمح ولكنّه يوم جلاد بالسيوف ! » . وعبّأ عساكره ميمنة وميسرة وقلبا ، وجعل خلف كلّ طائفة من هذه ردءا من عبيده ، وفرّق السلاح في العسكر ، فالتحم القتال . وأقبل أبو يزيد فقاتلوا قتالا كبيرا فانهزمت ميمنة المنصور إلى أن صارت إلى الردء الذي خلفها فثبتوا بمراكزهم ، وأردفها المنصور بكتيبة من قبله فقويت الميمنة . ومال أصحاب أبي يزيد على الميسرة فهزموها وقتل جماعة . فغضب المنصور وقصد أبا يزيد بالكتيبة التي معه فانهزم أبو يزيد بمن معه ، وتمادى المنصور في طلبهم فقتلوا قتلا ذريعا . وانحاز أبو يزيد إلى قلعة عقار ثمّ فرّ ليلا إلى جبل سالّات . فغنم أصحاب المنصور جميع ما كان له ، ورجع المنصور إلى مضربه بعد العشاء بالمشاعل بين يديه .
هامش
- كان ينظر في كتب التصوّف . ويضيف أنّ المنصور تعوّد أن يسلخ المتمرّدين عليه حتّى سمّي « السلّاخ » . ( 1 ) هي قسطيلية الزاب ، بين بسكرة وطبنة - لا قسطيلية الجريد التونسيّ . وفي المخطوط : سبيطلة وهو خطأ من النسّاخ . ( 2 ) في رواية ابن حمّاد 26 أنّ هذا الثائر ابن صائغ قيروانيّ - ( 3 ) نتوقّع أنّ جبل كيانة أكثر علوّا من جبل سالّات ، فلذلك نستغرب فعل « نزل » هنا . وسيقول المقريزي بعد قليل : « فارتفع إلى جبال كيانة » . فلعلّ جهله بجغرافية إفريقية والمغرب هو الذي أوقعه في هذا الاضطراب في التعبير . وقد يكون « نزل » بمعنى : حطّ الرحال .