قلت : نعم .
قال : ادخل هذه الغيضة ، وخذ منها ما شئت .
( قال ) فمضيت فقلت في نفسي : « يوم مثلج ، فمن أين لي ؟ » ودخلت فإذا بشجرة خوخ . فملأت جرابي وجئت ، فقال لي : ما الذي في جرابك ؟
قلت : خوخ .
قال : يا قليل اليقين ! هل يكون هذا ؟ لعلّك تفكّرت في شيء آخر ؟ ولو ازددت يقينا لأكلت رطبا كما أكلت مريم بنت عمران في وسط الشتاء .
ثم قال : هل لك في الصحبة ؟
قلت : بلى !
فمشينا ، ولا واللّه ما عليه حذاء ولا خفّ حتى بلغنا إلى بلخ . فدخل على القاضي وسلّم عليه وقال : بلغني أنّ أبي توفّي واستودع عندك مالا ؟
قال : أمّا أدهم ، فنعم . وأمّا أنت فلا أعرفك .
فأراد أن يقوم ، فقال القوم : هذا إبراهيم بن أدهم .
فقال : مكانك ؟ فقد صحّ لي أنّك ابنه .
قال : فأخرج المال !
قال : لا يمكن إخراجه .
قال : فدلّني على بعضه .
فدلّه على بعضه . فصلّى ركعتين ، وتبسّم .
فقال القاضي : بلغني أنك زاهد .
قال : وما الذي رأيت من رغبتي ؟
قال : فرحك وتبسّمك .
قال : إنّما فرحي وتبسّمي من صنع اللّه بأبي .
هذا مال كان حبيسا عن سبيل اللّه فأعانني اللّه حتى جئت في إطلاقه ، قد جعلتها كلّها في سبيل اللّه .
ونفض ثيابه وخرج . فقلت له : يا أبا إسحاق ، لم تطعم من شهرين !
قال : ذكّرتني ! هل لك في الطعام ؟
قلت : نعم .
فصلّى ركعتين فإذا حوله دنانير . فحملت دينارا ومضينا .
قال عليّ بن بكّار : وكان إبراهيم بن أدهم لا يردّ هديّة ويكافئ بمثلها . فخرجنا معه يوما نشيّعه ، وهو يريد الشام . فلمّا بلغ مكان كذا وأردنا الرجوع نزع إزاره ، وكان مؤتزرا به تحت فروة فدفعه إلى أبي إسحاق وقال : بيعوه واشتروا به كذا وكذا وابعثوا به إلى فلان .
فقال له أبو إسحاق : ليس عليك إزار ، ولا على جلدك قميص . إنّما هو هذا الفرو ، أمسكه ، نحن نكافئه عنك !
فأبى . فأخذناه منه .
وأهدى إليه رجل عنبا وتينا على طبق . فلم يكن عنده ما يكافئه فنزع فروه فوضعه على الطبق وبعث به إليه .
قال مهدي بن مهديّ : حدّثني بقيّة [ بن الوليد ] قال : سهرت مع إبراهيم بن أدهم على حائط صور . فحدّثني عن رجل عن النخعيّ عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا دخل عليك صبيّ جارك ، [ ف ] ضعي في يده شيئا ، فإنّ ذلك يحقّ لك المودّة في قلوبهم » .
قال بقيّة : فقمت إلى شيء من [ 13 أ ] طرائف البحر ، فأهديته إليه ، ثمّ ندمت بعد ذلك .
فقلت لبقيّة : لم ندمت ؟
قال : لأنّه بعث إليّ بكساء كان يلبسه في الشتاء وخفّ كان يلبسه في الغزو .
ودخل الجبل ومعه فأس رومي فاحتطب حطبا
المقفى الكبير — صفحة 44
مساهمون: المقريزي
ص٤٤