تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
كثيرا . ثمّ جاء به فباعه واشترى به ناطفا « 1 » ثمّ جاء به إلى أصحابه فقال : كلوا ! كأنّكم تأكلون في دهن . وعن أبي شعيب قال : سألت إبراهيم بن أدهم أن أصحبه إلى مكّة فقال : على شريطة : على أنّك لا تنظر إلّا للّه وباللّه . فشرطت له ذلك على نفسي فخرجت معه . فبينا نحن في الطّواف إذا أنا بغلام قد افتتن الناس به لحسنه وجماله . فجعل إبراهيم يديم النظر إليه . فلمّا أطال ذلك قلت : يا أبا إسحاق ، أليس شرطت عليّ أن لا انظر إلّا للّه وباللّه ؟ قال : بلى . قلت : أراك تديم النظر إلى هذا الغلام ؟ فقال : إن هذا ابني وولدي ، وهؤلاء غلماني وخدمي الذين معه ، ولولا شيء لقبّلته ، ولكن انطلق ، فسلّم عليه منّي وعانقه عنّي . ( قال ) فمضيت إليه وسلّمت عليه من والده وعانقته . فجاء إلى والده فسلّم عليه ، ثمّ صرفه مع الخدم . فقال : ارجع ! انتظر إيش يراد بك . وأنشأ يقول [ الوافر ] :
هجرت الخلق طرّا في رضاك * وأيتمت العيال لكي أراك ولو قطّعتني في الحبّ إربا * لما حنّ الفؤاد إلى سواك
وأهدى إليه رجل سلّة تين عند غروب الشمس ، فقسمه على جيرانه وعلى الفقراء . فقال له بعض أصحابه : ألا تدع لنا شيئا ؟ قال : ألستم صوّما ؟ قالوا : بلى . قال : سبحان اللّه ! أما لكم حياء ؟ أما لكم أمانة ؟ أما تخافون من اللّه العقوبة بسوء ظنّكم باللّه ، وطول الأمل إلى السّماء ؟ ثقوا باللّه ، وأحسنوا الظنّ بما وعد اللّه ، فإنّ اللّه يقول :
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
[ النحل : 96 ]

[ كرمه وطيب نفسه ] :

وقال حوّاري بن حوّاري : كان إبراهيم بن أدهم يتألّف الناس بأخلاقهم ويأكل معهم ، وربّما اتّخذ الشواء ، والجوزابات ، والخبيص ، وطعام الطيب . وربّما خلا هو وأصحابه الذين يأنس إليهم . وكان يعمل عمل الرجلين ، وكان إذا أكل وحده أكل الطعام الدّون . وكان كريم النفس ، إذا اصطنع إليه إنسان معروفا يحرص على إكرامه ، وأكثر ممّا يصنع به . وقال عصام بن روّاد [ بن الجرّاح ] عن أبيه : كنت ليلة مع إبراهيم بن أدهم بالثغر ، فأتاه رجل بباكورة . فنظر حوله هل يرى شيئا من رحله يكافئه ، فلم ير شيئا . فنظر إلى سرجي فقال : خذ ذلك السرج ! فأخذه الرجل ومضى . فداخلني سرور ما دخلني مثله قطّ حين علمت أنّه صيّر مالي وماله واحدا . وعن إبراهيم بن بشّار [ الصوفيّ الخراساني خادم إبراهيم بن أدهم ] قال : أمسينا مع إبراهيم بن أدهم ذات ليلة ، وليس معنا شيء نفطر عليه ، ولا لنا حيلة . فرآني مغتمّا حزينا ، فقال : يا إبراهيم بن بشّار ، ما ذا أنعم اللّه على الفقراء والمساكين من النعيم والراحة في الدنيا والآخرة ، لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة ولا عن حجّ ولا عن صدقة ولا عن صلة رحم ، ولا عن مواساة ، وإنّما يسأل ويحاسب
هامش
( 1 ) الناطف : نوع من الحلوى من عروق العسلوج . وهو أيضا الشمع ( دوزي ) . ولعلّ هذا هو المقصود مع الدهن .