تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
وقال ضمرة بن ربيعة : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : أخاف أن لا يكون لي أجر في تركي أطايب الطعام ، لأنّي لا أشتهيه - وكان إذا جلس على سفرة فيها طعام طيّب رمى بما وقع بين يديه إلى أصحابه وأكل هو الخبز والزيتون . وقال أبو حفص العسقلانيّ : شهدت إبراهيم ابن أدهم ، فدعاه رجل من أصحابه قد تزوّج . فجلس بيني وبينه رجل . ثمّ أتينا بقصعة ثريد ولحم . فرأيت إبراهيم يأكل الثريد ولا يأكل اللحم - بلغني أنّه كان يفعل هذا إذا كان في الطعام قلّة ، يبقي على أصحابه . وقال لإبراهيم بن أدهم : تريد تدعو ؟ كل الحلال وادع بما شئت ! وقال لإبراهيم السائح : يا أبا إسحاق ، اعبد اللّه سرّا حتّى تخرج على الناس يوم القيامة كمينا « 1 » . وقال حذيفة المرعشيّ : قدم شقيق البلخي مكّة ، وإبراهيم بن أدهم بمكّة . فاجتمع الناس فقالوا : نجمع بينهما . فجمعوا بينهما في المسجد الحرام . فقال إبراهيم لشقيق : يا شقيق ، على م أصّلتم أصولكم ؟ فقال : إنّا أصّلنا أصولنا على أنّا إذا رزقنا أكلنا ، وإذا منعنا صبرنا . فقال إبراهيم : هكذا كلاب بلخ : إذا رزقت أكلت ، وإذا منعت صبرت . فقال شقيق : على م أصّلتم أصولكم يا أبا إسحاق ؟ قال : أصّلنا أصولنا على أنّا إذا رزقنا آثرنا ، وإذا منعنا حمدنا وشكرنا . فقام شقيق ، وجلس بين يديه وقال : أنت أستاذنا . وقال إبراهيم بن بشّار : قلت لإبراهيم بن أدهم : أمرّ اليوم أعمل في الطين . فقال : يا ابن بشّار ، إنّك طالب ومطلوب ، يطلبك من لا تفوته وتطلب ما قد كفيته ، كأنّك بما غاب [ عنك ] قد كشف لك ، وما قد كنت فيه قد نقلت عنه . يا ابن بشار ، كأنك لم تر حريصا محروما ، ولا ذا فاقة مرزوقا . ثمّ قال : ما لك حيلة ؟ فقلت : لي عند البقّال دانق . قال : عزّ عليّ بك : تملك دانقا ، وتطلب العمل ؟ وسمعته يقول : قلّة الحرص والطمع تورث الصدق والورع . وكثرة الحرص والطمع تكثر الهمّ والجزع . وقال : إنّ الناس يريدون منّا أن نقبل منهم . ولو قبلنا منهم الأقلّ ما أعطونا ، ولأسرع ما ملّونا . وقال له رجل : إنّي أريد أن أواسيك من مالي . قال : وكم تملك ؟ قال : مائة ألف . قال : وأنت في طلب غيره ؟ قال : نعم . قال : لا حاجة لي إلى ذلك . أنت فقير ، إنّا لم نؤمر أن نأخذ من الفقراء شيئا . وقال له رجل : أحبّ أن تقبل منّي هذه الجبّة كسوة فتلبسها . قال : إن كنت غنيّا قبلتها منك ، وإن كنت فقيرا لم أقبلها منك .
هامش
( 1 ) كمين : على وزن أمير ، وهو الدّاخل في الأمر لا يفطن له . وكذلك الكمين في الحرب ، والمعنى هنا : لا تتظاهر بالتعبّد وأكتمه تواضعا .