تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
عن هذا هؤلاء المساكين ، أغنياء في الدنيا فقراء في الآخرة ، أعزّة في الدنيا أذلّة يوم القيامة . لا تغتمّ ولا تحزن ، فرزق اللّه مضمون سيأتيك . نحن واللّه الملوك الأغنياء ، نحن الذين تعجّلوا الراحة في الدنيا والآخرة ، لا نبالي على أيّ حال أصبحنا وأمسينا إذا أطعنا اللّه . ثمّ قام إلى صلاته وقمت إلى صلاتي . فما لبثنا إلّا ساعة وإذا نحن برجل قد جاءنا بثمانية أرغفة وتمر كثير فوضعه بين أيدينا وقال : كلوا رحمكم اللّه ! فسلّم ، ثمّ قال : كل يا معنّى ! فدخل سائل فقال : أطعمونا شيئا . فأخذ ثلاثة أرغفة مع تمر فدفعها إليه ، وأعطاني ثلاثة وأكل رغيفين ، وقال : المواساة من [ 13 ب ] أخلاق المؤمنين . وقال عليّ بن بكّار : كان الحصاد أحبّ إلى إبراهيم بن أدهم من اللقاط . وكان سليمان الخوّاص لا يرى بأسا باللقاط ويلقط . وكانت أسنانهما قريبة ، وكان إبراهيم أفقه ، وكان من العرب من بني عجل كريم الحسب . وكان إذا عمل ارتجز وقال :
اتّخذ اللّه صاحبا * ودع الناس جانبا « 1 »
وكان يلبس في الشتاء فروا ليس تحته قميص ، ولم يكن يلبس خفّين ولا عمامة ، وفي الصيف [ يلبس ] شقّتين بأربعة دراهم يتّزر بواحدة ويرتدي بالأخرى ، ويصوم في السفر والحضر ولا ينام الليل . وكان يتفكّر ، فإذا فرغ من الحصاد أرسل بعض أصحابه يحاسب صاحب الزرع ويجيء بالدراهم ، فلا يمسّها بيده ويقول لأصحابه : اذهبوا ، كلوا بها شهواتكم . فإن لم يكن حصاد أجر نفسه في حفظ البساتين والمزارع . وكان يطحن بيد واحدة مدّي قمح - أي قفيزين . ويقول : لا ينبغي للرّجل أن يرفع نفسه فوق قدره ، ولا أن يضع نفسه دون درجته . ودعاه الأوزاعيّ إلى طعام فقصّر في الأكل . فقال له الأوزاعيّ : رأيتك قصّرت في الأكل ؟ قال : لأنّك قصّرت في الطعام . وهيّأ مرّة طعاما ووسّع فيه ودعا الأوزاعيّ ، فقال له : أما تخاف أن يكون سرفا ؟ فقال إبراهيم : إنما السرف ما ينفقه الرجل في معصية اللّه . فأمّا ما أنفقه على إخوانه ، فهو من الدين . ومرّ به رجل من الصّنّاع ، فقال : أليس هذا فلانا ؟ فقيل : نعم . فقال لرجل : أدركه وقل له : قال [ لك ] إبراهيم بن أدهم : ما لك لم تسلّم ؟ قال : لا واللّه ! إلّا أنّ امرأتي وضعت الليلة وليس عندي شيء ، فخرجت شبيه المجنون . فرجع إلى إبراهيم فقال له . فقال : إنّا للّه ! كيف غفلنا عن صاحبنا حتّى نزل به هذا الأمر ؟ يا فلان ، ائت فلانا صاحب البستان فاستسلف منه دينارين ، فاشتر له ما يصلحه بدينار وادفع الدينار الآخر إليه . ( قال ) فدخلت السوق فأوقرت بعيرا بدينار من كلّ شيء وتوجّهت إليه فدققت الباب . فقالت امرأته : من هذا ؟
هامش
( 1 ) هذا البيت لعله من المجتثّ .