تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
إبراهيم بن أدهم أربع عشرة سنة : حججت فلقيت عبد العزيز ابن أبي دؤاد ، فقال لي : ما فعل أخوك إبراهيم بن أدهم ؟ قلت : بالشام ، في موضع كذا وكذا . فقال : أما إنّ عهدي به وإنّه ليركب بين يديه ثلاثون شاكريّا « 1 » بخراسان . ولكنّه أحبّ أن يتبحبح في الجنّة . وقال أبو الوليد صاحب إبراهيم بن أدهم : كان إبراهيم بن أدهم وأصحابه يمنعون أنفسهم أربع إرادات : الماء ، والحذاء ، والحمّامات ، ولا يجعلون في الملح أبزارا . وقال إبراهيم بن أدهم : الجوع مرق القلب . وقال : قلب المؤمن أبيض نقيّ على مثال المرآة ، فلا يأتيه الشيطان من ناحية من النواحي بشيء من المعاصي إلّا نظر إليه كما ينظر إلى وجهه في المرآة . وإذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء . فإن تاب من ذنبه محيت النكتة من قلبه وانجلى . وإن لم يتب وعاود أيضا وتتابعت الذنوب ذنب [ ا ] بعد ذنب ، نكت في قلبه نكتة بعد نكتة حتّى يسودّ القلب ، وهو قول اللّه عزّ وجل :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ المطففين : 14 ] قال : الذنب بعد الذنب حتّى يسوّد القلب ، فما أبطأ ما تنجع في هذا القلب المواعظ ! فإن تاب إلى اللّه قبله اللّه وانجلى عن قلبه كجلاء المرآة . وعن بقيّة بن الوليد [ الحمصيّ ] قال « 2 » : دعاني إبراهيم بن أدهم إلى طعام له ، فأتيته ، فجلس هكذا - ووضع رجله اليسرى تحت أليته ، ونصب رجله اليمنى ، ووضع مرفق يده عليها - ثمّ قال لي ) يا أبا محمّد ، تعرف هذه الجلسة ؟ قلت : لا . قال : هذه جلسة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، كان يجلس جلسة العبيد ، ويأكل أكل العبيد . خذوا باسم اللّه ! .

[ شواهد من تقشّفه ] :

فلمّا أكلنا قلت لرفيقه : أخبرني عن أشدّ شيء مرّ بك منذ صحبته ؟ قال : نعم . كنّا يوما صياما ، فلمّا كان الليل لم يكن لنا شيء نفطر عليه . فلمّا أصبحنا ، قلت : يا أبا إسحاق ، هل لك أن نأتي باب الرستن « 3 » فنكري أنفسنا مع هؤلاء الحصّادين ؟ فأتينا باب الرستن ، فجاء رجل فاكتراني بدرهم . فقلت : صاحبي ؟ فقال : لا حاجة لي بصاحبك . أراه ضعيفا . فما زلت به حتّى اكتراه بأربعة دوانق . فحصدنا يومنا ذلك . فأخذت كراءنا فأتيت السّوق فاشتريت حاجتي وتصدّقت بالباقي . فهيّأته وقرّبته إليه . فلمّا نظر إليه بكى . فقلت : ما يبكيك ؟ فقال : أمّا نحن فقد استوفينا أجورنا . فليت شعري ، أوفينا صاحبنا أم لا ؟ فغضبت . فقال : ما يغضبك ؟ أتضمن لي أنّا [ 12 أ ] وفينا صاحبنا ؟ فأخذت الطعام فتصدّقت به . فهذا أشدّ شيء مرّ بي مذ صحبته . وقال أبو عيسى النخعيّ : رأيت إبراهيم بن أدهم بمكّة عجن عجينا ثم جعل يأكله .
هامش
( 1 ) الشاكريّ : الجنديّ من المرتزقة ( دوزي ) . ( 2 ) بقيّة بن الوليد الحمصي : وفيات 7 / 285 ( في ترجمة مقاتل بن سليمان : أعلام النبلاء 8 / 518 ( 139 ) . ( 3 ) الرّستن : بلدة بين حماة وحمص على العاصي ( ياقوت ) .