قال الرازي : وروى عبادة بن الصامت عنه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يكون في أمتي رجلان يقال لأحدهما وهب يهب اللّه له الحكمة ، والآخر غيلان فتنة على أمتي أشد من فتنة الشيطان » « 1 » ، فكان غيلان أول من تكلم بالقدر .
وكان وهب فقيها ، فصيحا ، مصقعا ، بليغا في الخطابة والفصاحة والموعظة بحيث لا يجارى ولا يبارى ، ولقى عشرة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كابن عمر وابن عباس ، وأخذ عن جابر والنعمان الأنصاريين وأبي هريرة ، وأخذ عن طاوس ومحمد بن الحنفية ، وعبد اللّه بن الزبير ، وكان غالب أخذه عن ابن عباس ، وكان يقول : صحبت ابن عباس قبل أن يصاب ببصره ثلاث عشرة سنة ] « 2 » وبعد أن أصيب به ، وإني معه ذات يوم بمكة إذ قال : يا ابن منبه قدني إلى مجلس المراء ، وكان قوم يجلسون بين باب بني جمح والذي يليه يتكلمون بالجبر والقدر فقدته إليهم ، فلمّا وقف عليهم سلم ، فردوا ثم قالوا : ألا تجلس يرحمك اللّه ، فقال : واللّه ما أنا بجالس إليكم ، أما تعلمون أن للّه عبادا أسكتتهم خشية اللّه تعالى من غير عي ، وأنهم لهم الفصحاء والنجباء [ البلغاء ] « 3 » ، إذا ذكروا عظمة اللّه طاشت عقولهم وإذا أشفقوا بادروا إلى اللّه بالأعمال ( الزاكية ) « 4 » ثم سكت فقلت لهم : إني قرأت شيئا من السنة وعد كتب من كتب اللّه التي أنزلها على أنبيائه من السماء اثنين وتسعين كتابا في الكنائس وعشرون في أيدي الناس لا يعلمها إلا قليل ، ووجدت في جميعها أن من أضاف إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر ، ولقد شاركت الناس في علمهم وعلمت كثيرا مما لم يعلموا ، ووجدت أعلم أعلم الناس بهذا الأمر الذي تمترون فيه أسكتهم عنه ، ورأيت أجهلهم به أنطقهم ، ووجدت الناظر فيه كناظر شعاع الشمس كلما ازداد فيها تأملا ازداد تحيرا ، وكان الناس يومئذ قد أفاضوا في ذكر القدر ،
هامش
( 1 ) الحديث أورده الرازي في تاريخ صنعاء ص 411 ولم أجد له تخريجا في كتب الحديث .
( 2 ) [ ] غير مقروءة في « الأصل » والمثبت من « ب » .
( 3 ) [ ] طمس في « الأصل » والمثبت من « ب » .
( 4 ) وردت في « ب » « الزكية » .