وكان السلطان نور الدين عمر بن علي بن رسول يحبه ويعتقده ، ولما بنى مدرسته التي في درجة المغربة المعروفة بالوزيرية لم يزل يتلطف له ويتوسل إليه حتى نزل من بلده وقعد في المدرسة مدرّسا ، ثم قال له : أحب أن أقرا عليك ، ونزولي في كل يوم للمدرسة يشق عليك وعليّ وعلى الناس فإن رأيت ذلك فعلت ، وإن رأيت أن يأتيك الركب في كل يوم ببغلة تركبها وتطلع الحصن فأقرأ عليك في خلوة ، فرأى الفقيه أن طلوعه إلى الحصن أسهل فاستعفاه من ركوب البغلة ، وقال : أنا أطلع كل يوم بدرسيّ من أصحابي يؤنسني ، واتفق هو والسلطان على ذلك ، وصار يطلع كل يوم إلى الحصن ومعه درسي من أصحابه ، فإذا صار على باب الستارة وقف صاحبه ودخل [ الفقيه ] « 1 » من غير إذن فيقرأ عليه السلطان ما شاء اللّه ثم يخرج الفقيه .
وكان السلطان إذا أراد أن ينزل من الحصن يأمر من يسبقه إلى الفقيه يسأل منه أن يقف له على باب المدرسة ، فإذا قابل السلطان ذلك الموضع رد السلام ثم رفع يده يشير إلى الفقيه بأن يدعو فيفهم الفقيه الإشارة ، ويدعو والسلطان واقف رافع يده ، فإذا مسح الفقيه وجهه مسح السلطان ومن معه وجوههم ، ويتقدم بعد ذلك حيث يريد ويعود الفقيه المدرسة فلا يبرح يقري ويفتي بقية يومه .
وحج سنة سبع وعشرين أو ثمان وعشرين ، وحج معه ولده عمر ، ولما دنت وفاة الفقيه رجع من تعز إلى بلده فتوفي بها .
قال الجندي : ورأيت بخط ولده عمر يقول : توفي الوالد طلوع الفجر ليلة الجمعة لليلة أو لليلتين بقيتا من المحرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ، وكان آخر ما فهمناه من كلامه لا إله إلا اللّه وللّه الحمد ، وكان دفنه بعد صلاة الجمعة ، وكان يقول : من زمان يوم الجمعة وليلتها عليّ ثقيلان ، ولعل موتي فيهما .
هامش
( 1 ) [ ] زيادة من السلوك للجندي ، 1 / 399 .