كنت معيدا في المدرسة المظفرية بتعز وكان القاضي محمد بن علي مدرسها يومئذ فرأيت [ ذات يوم أن ] « 1 » القيامة قامت والناس مجتمعون في صعيد واحد حفاة عراة كما جاء في الخبر « 2 » وأنا من جملتهم عريان ، فلمّا طال ذلك رأيت مكانا مرتفعا والقاضي تقي الدين محمد ابن علي واقف عليه بثيابه التي يلبسها أجمع حتى العمامة والملحفة والناس مطيفون به فهرولت إليه أولا لكونه مدرسي وأنا معيده ، فلمّا دنوت منه سمعته يقول : للناس كلكم في شفاعتي ( فاطمأنوا ) « 3 » ، فقلت له : يا سيدي وأنا معهم ؟ قال : وأنت منهم ، فلمّا كان وقت السحر خرجت من بيتي إلى المدرسة فوافيته رائحا إليها لصلاة الصبح فبدأني بالسلام فرددت عليه ، فقلت : يا سيدنا أريد الوعد الصادق ، فقال : ما أذكر أني وعدتك بشيء لكن ذكرني ، فالوعد دين ، فأخبرته بمنامي فبكى ، فقال : خبرني ربي لست من أهل الشفاعة بل أرجو أن نكون جميعا في شفاعة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فقلت له : دعني من المغالطة فلا بد من الوفاء ثم لازمته ، فلزم يدي وقال : لك ذلك إن كنت من أهل الشفاعة .
قال الجندي : ومن ذلك ما أخبرني الفقيه الفاضل أبو الحسن أحمد بن الفقيه الفاضل علي الجنيد ، وقد تذاكرنا فضل هذا القاضي وشهرة ورعه وما نذكر عنه من الكرامات مع المحنة بالقضاء ، فقال لو لم تكن له من الكرامات إلا حديث الدلالة لكان كافيا في الدلالة على خيره ، فقلت له : أخبرني كيف كان ، قال : اتفق لبعض الأعيان من أهل تعز حادث سرور واحتاج إلى عارية من المصاغ فطلب فلان الدلّالة وكانت مأمونة عند السلطان فعول أن تستعير له فأجابت بالطاعة ، وراحت بيوت الأمراء والكبراء فاجتمع لها جملة مستكثرة فراحت به إلى صاحب الحادث فقبضه منها واستعمله في سروره ذلك ، فلمّا فرغ أمر السرور رده إليها فخرجت به
هامش
( 1 ) [ ] طمس في « الأصل » والمثبت من « ب » .
( 2 ) [ ] طمس في « الأصل » والمثبت من « ب » .
( 3 ) ساقطة من « ب » .