فلمّا وقف عليها أخذ القلم وجوب جوابا شافيا كأنه قد تراجزا حينئذ « 1 » من النحو ثم ناولها الفقهاء فتصفحوها فارتضوا جوابه وعجبوا من ذلك أشد العجب . وحكى الجندي عن الفقيه صالح بن عمر قال : كنت القاري لغالب الكتاب يومئذ والجماعة سامعون ، قال : وكان الفقيه قد ينعس في أثناء القراءة فينام فيغلب على الظن أنه لا يسمع فأردت أن أكاسر عن القراءة إذ بي أرى النبي صلّى اللّه عليه وسلم قاعدا في موضع الفقيه ، وهو يقول لي : اقرأ يا صالح ، فقرأت ولم أسكت بعد ذلك ، ثم رأيت الفقيه قد فتح عينه عقب ذلك وتبسم إليّ خاصة ، فلمّا أدر ما تحت تبسمه من معنى .
وكانت وفاته بالقرية في شهر ذي الحجة من سنة أربع وتسعين وستمائة بعد أن بلغ عمره بضعا وستين سنة رحمة اللّه عليه .
« [ 994 ] » أبو عبد اللّه محمد بن أسعد بن محمد بن عبيد اللّه بن سعيد المقرئ العنسي
بالنون بين العين والسين المهملتين ، المذحجي نسبة إلى القبيلة المذكورة .
كان فقيها ، عارفا ، بالفروع والأصول ، وله في كل منهما تصنيف حسن .
ولي قضاء عدن برهة من الدهر ، وكان موصوفا بالورع والفقه غواصا على الدقائق .
قال الجندي : سمعت شيخي أبا العباس أحمد بن علي الحرازي يذكر هذا الرجل ويثني عليه ثناء بليغا بالفقه والورع ، وكان ابن الحرازي ممن أدركه وقرأ عليه .
قال : وأخبرني أيضا أنه كان يعجبه الاختلاط بالفقهاء والمواصلة لهم ، وكان مدرس عدن يومئذ والمعيد وأصحابهم من الطلبة يصلون كل يوم إلى بابه ويحضرون مجلسهم فيلقاهم بالبشر والإكرام ، ثم إذا اطمأنوا جعل يلقى عليهم من المسائل عن الكتب التي يتعانون قراءتها فمن وجده ذاكرا بارك عليه وشكره ووعده بالخير وحثه على زيادة الاجتهاد .
هامش
( 1 ) في السلوك : " أتقن جزءا جيدا " .
( [ 994 ] ) ترجم له ، الجندي : السلوك ، 1 / 438 - 440 .