وكانت وفاته بمصر ليلة الجمعة بعد أن صلّى العشاء آخر ليلة من رجب سنة أربع ومائتين ، ودفن يوم الجمعة بعد العصر ، بعد أن دخلت جنازته على الست نفيسة فصلت عليه بنفسها ، وإنما أخّر دفنه لأنه أوصى أن لا يدفن حتى تبرأ ذمته من الدين الذي عليه ، ففعل ذلك به ولم يدخل قبره وعليه درهم يعلم .
وحكى في « صفوة الصفوة » عن الربيع بن سليمان أنه قال :
كنا جلوسا في حلقة الشافعي قريب دفنه ، فوقف بنا أعرابي وسلم ثم قال : أين قمر هذه الحلقة بل شمسها ؟
قلنا توفي فبكى بكاء شديدا وقال : رحمه اللّه وغفر له ، فلقد كان يفتح ببيانه منغلق الحجة ، ويسدّ على خصمه واضح المحجّة ، ويغسل من العار وجوها مسودّة ، ويوسع بالرأي أبوابا منسدة ، ثم مضى وتركنا نعجب من حسن ألفاظه . وقال الربيع المرادي - بالولاء الآتي ذكره إن شاء اللّه - : رأيت الشافعي بعد موته فقلت ما فعل اللّه بك ؟
فقال : أنا في الفردوس الأعلى قلت بم ذاك ؟
قال : بكتاب صنفته وسميته « الرسالة الجديدة » .
قال : ورأيته مرة ثانية فقلت : ما صنع اللّه بك ؟
قال : أجلسني على كرسي من ذهب ونثر عليّ اللؤلؤ الرطب .
ووصل بعض أهل المعالي تربته ، فاستعمل صورة مركب من النحاس علّقها عند رأس القبر ، فكان كثير من الناس يعجب لذلك ، ويسأل عن فائدة ذلك ، حتى وصل بعض نظرائه فسئل عن المعنى ، فقال شعرا :
أتينا لقبر الشافعي نزوره * وجدنا به فلكا وليس به بحر
فقلنا تعالى اللّه ( هذه ) « 1 » إشارة * تنّبئ أن البحر قد ضمّه القبر
هامش
( 1 ) في السلوك للجندي 1 / 159 ( هذا ) .