بالتأييد « 1 » ، ومحاسن أيامه متضاعفة الإقبال والتجديد ، وميامن سعادته كافلة له بتناول العرض البعيد ، ومذ نهض بالمملوك العزم على الديار المصرية ، وحكم عليه القضاء بمفارقة الأبواب الملكية الناصرية ، ترحل « 2 » عن مقر العز بحيث استقراره بالقاهرة المعزية ، وسمت به الهمم إلى افتتاح البلاد اليمنية ، فصار يعتسف مخاوف المخارم ، ويقطع من بلاد الأعداء ما تكل عن قطعه شفار الصوارم ، ويدوس من صيد الرؤوس ما يسموا به أسباب عارم ودارم ، واثقا من نفسه ألا يرتاح من تلك الديار لبرق لاح ، ولا يطمع بالتفاته خاطر إليه طامح ، لا بجفوة سبقت منها إليه ، ولا لأن موارد السرور تكدرت عليه ، لكن حفظا لمكان عزه أن تقدح فيه عوارض الأيام ، وارتفاعا لسمو قدره أن يجري عليه للوحشة أحكام ، وعلما « 3 » أنه حقيق لقول من لا يناسب لديه أدنى الأخدام ، شعرا :
وفارقت حتى لا أبالي بمن نأى * وإن بان أحباب عليّ كرام
فقد جعلت نفسي على النأي تنضوي * وعيني على فقد الحبيب تنام
ولما ترامت به مفاوز الطرق ، وفقد ما كان يستضيء به من أنوار ذلك الأفق ، وحاول استدامت ما كان يتخلق به من ذلك الخلق ، وجد الحال من قلبه قد استحالت ، وخطوات الحيرات بلبّه قد استمالت ، ثم لم يلبث أن باح بسر فؤاده الملتاح ، وهزته نشوات الشوق هزة نشوان الراح ، وجعل الوجد يهفو بثباته ووقاره ، والحنين يتغنى بشجوه كما يتغنى الحمام في أشجاره ، والشوق يصور له ما لم يكن مصورا لديه من سامي ذلك المقام ، والغرام يمثل له
هامش
( 1 ) جاء في م : محفوفة .
( 2 ) جاء في م : فرحل .
( 3 ) جاء في م : وعلم .