إليهم مطروا مطرا شديدا وتتنزل عليهم الرحمة والبركة ؛ فكانوا يتمنون وصولي إليهم وإذا وصلت أكرموني .
قال : ثم خرجت حاجا إلى مكة وهي أول حجة حججتها في جماعة من الصالحين فلما دخلت مكة ورأيت الكعبة وأنا واصل إليها قلت لهم : هذه الكعبة ! ؟ قالوا : نعم فقلت لهم :
لو علمنا أن هذه الكعبة ما كنت أتعب إليها ! ! قالوا : ولما ذاك ؟ فقلت لهم : هذه كانت معي في الجزيرة انظر إليها كل يوم ، فقالوا : اسكت يا مجنون لا يسمعك الناس ، فلما دخلت الحرم ما رأيت الكعبة بل رأيت غيرها . فقيل له : وما هو ؟ قال : رأيت صاحب البيت ولم أر البيت . وكان إذا قرئ عليه خبر الحلّاج « 1 » الذي يقول فيه : حججت أول سنة فطفت بالبيت ، ثم حججت السنة الثانية فطاف بي البيت ، ثم حججت الثالثة فلم أر البيت ولكن رأيت رب البيت . فتبسم ضاحكا ويقول : قبل منه فأخبروا بما رأوا واللّه إني لأعرف من رأى صاحب البيت ولم ير البيت في أول حجة حجها يعنى نفسه ! !
وقال : بينما أنا بمكة في بعض السنين إذ أتاني الشيخ إبراهيم الفشلي فقال لي : يا شيخ أحمد جماعة من سادات العارفين يريدون الحديث معك فقلت : مرحبا بهم ، فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رجلان عليهما هيبة وجمال فسلما ثم قعدا فقال أحدهما : يا شيخ هل عندكم في اليمن أربطة ؟ فقلت : لو كان عندنا في اليمن ربط ما ذكرت الشام أبدا . فقال : ولم ذاك ؟
فقلت : لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم نص على اليمن ولم ينص على الشام . فقال : صدقت يا شيخ ، ثم قال :
يا شيخ أخبرنا عن المعرفة ، فقلت : المعرفة وجود تعظيم في القلب يمنع الشخص عن الانقياد لغير معروفه ، فصاحا عند ذلك وخرا مغشيا عليهما . . ولم يكن له رباط يقعد فيه إذا دخل
هامش
( 1 ) هو الحسين بن منصور الحلّاج ، زنديق ، صوفي ، فيلسوف ، وهو من أصحاب مقولة الحلول ، سلمه الخليفة المقتدر للقضاة للنظر في قوله ، فناقشوه فيما يقول ، فأقر بحلوليته ودعوته إليها ، فقتل تنكيلا في بغداد ، سنة ( 309 ه / 921 م ) . انظر : الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، 11 / 322 - 348 .